بقلم: زكريا كرش
Zakarya karash
حين ينام الوعي في مهد العاطفة، يستيقظ الاستبداد ليرتدي عباءة المنقذ، وتصبح الساحات مسرحاً تعيد فيه الضحية تصفيقها للجلاد…
كلما شعرت مليشيا الحوثي أن رصيدها الشعبي قد نفد، سارع زعيمها نزيل الكهف عبدالملك الحوثي بالدعوة إلى تظاهرات حاشدة، ملقياً خطاباً يدغدغ به مشاعر البسطاء.. خطاباً يرتكز على ذات “الرباعية المستهلكة” التي لطالما رددها: (أمريكا، إسرائيل، فلسطين، والدين).
وبمجرد ظهوره وترديده لهذه الكلمات الأربع، تندفع الحشود للتظاهر، متناسيةً أن كل هذه الشعارات ليست إلا غطاءً سميكاً لخدمة مصالحه الشخصية، وأجندة أتباعه، ومحاولة بائسة لمنح نفسه دفعة معنوية توهمه وتوهم الخارج بأن الشعب ما يزال يؤمن بمشروعه ويسير خلف جنونه.
وهنا، وأمام هذا المشهد المقلوب الذي لا يستوعبه عقل، تجد تناقضاً صارخاً؛ فالمواطن المستعد للمشي تحت الشمس الحارقة هتافاً لشعار وهمي لا يجرؤ على الخروج للمطالبة براتبه المنهوب أو حقوقه المسلوبة! ليقع العتب الأكبر على العاطفة الشعبية الجارفة التي تنقاد خلف خطابات رنانة وهي جائعة، لتعيد هذه الجماهير كرت التاريخ إلى الوراء، وتجسد ذات الموقف الحزين الذي دفع قائد حركة 1955 البطل أحمد الثلايا لأن يصرخ في وجه خاذليه وهو واقفٌ على مشنقة الإمامة الكهنوتية (أجداد الحوثيين اليوم) بمقولته التاريخية المريرة: “قبح الله شعباً أردتُ له الحياة، وأراد لي الموت!”
وحين نُفكك هذه الحشود، نجد أن غالبيتها لم تخرج عن قناعة؛ بل قادتهم إما الحاجة والفتات المالي، أو سياط التهديد والضغوط الحوثية، مقابل قلة واهمة ترى في هذه المليشيا حبل نجاة لمستقبل مشرق! غير أن هذا التبرير لا يعفيهم أبداً من الخطيئة، ولا يسقط عنهم مسؤولية الاشتراك في الجريمة كلما خرجوا مناصرين للمليشيا.
فالخطورة هنا لا تقف عند حدود تظاهرة تنتهي بانتهاء الخطاب، بل إن هؤلاء يوقعون ـ من حيث لا يعلمون ـ على مذكرات إعدام بحق كل حر يعارض هذا الكهنوت؛ حيث تستغل المليشيا تلك اللقطات المأخوذة بكاميرات الـ (درون) لتسويقها دولياً كورقة ضغط سياسي، تزعم فيها أنها تمثل “إرادة الشعب” لتشرعن قمع الأحرار واقتياد المخالفين إلى السجون.
والعجيب أن ذات الحشود، وحين تعود إلى بيوتها ويضيق بها الحال جوعاً وقمعاً، تتباكى وتشتكي ظلم الحوثيين وتتمنى الفرج! متناسية تماماً أنها كانت بالأمس القريب هاتفاً ومؤيداً في صفوف الجلاد، وأن هذا الخروج العاطفي المشبوه هو السبب الأول والأبرز في إطالة عمر المليشيا وتأخير تحرير اليمن من قبضتها الكهنوتية.
إن خروج هذه الحشود لا يعني نصرةً لقضية، بل يعني ببساطة: تمديداً لسنوات الجوع، وشرعنةً للجبايات، وتفخيخاً للمستقبل عبر إفراغ المدارس وحشد الأطفال لغسل أدمغتهم برباعية الموت.
إنه توقيع جماعي على صك العودة باليمن عقوداً طويلة إلى الوراء، حيث لا يستبعد غداً أن تقف ذات الحشود لتصفق لجلادها وهو يشنق الأحرار في الساحات العامة!
ختاماً، على هذا الشعب أن يدرك جيداً أن الكهف لا يُصدّر سِوى الظلام، وأن المليشيا لا تهدي الحياة، بل تصنع الأكفان وتزرع الإذلال والدم، وأن صك النجاة الحقيقي لا يُكتب بالهتاف في ساحات التضليل، بل بالاستفاقة من وهم الشعارات قبل أن يبتلع الكهنوت ما تبقى من هوية هذا الوطن.


+ There are no comments
Add yours