نشرت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) تقريرين جديدين حول سوريا، يغطيان التطورات بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ومايو/أيار 2026، ويقدمان تقييماً شاملاً للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.
وتُعد تقارير الوكالة من بين أهم المراجع التي تعتمد عليها سلطات اللجوء والهجرة في دول الاتحاد الأوروبي عند تقييم طلبات الحماية الدولية، إلى جانب المعلومات الخاصة ببلد المنشأ والظروف الفردية لكل طالب لجوء.
وأشار التقرير إلى أن سوريا واصلت خلال الفترة الماضية مسارها الانتقالي، مع استمرار جهود الحكومة لتعزيز سيطرتها على مؤسسات الدولة وإعادة بناء الأجهزة الأمنية والقضائية.
وتمكنت الحكومة الانتقالية من توسيع نفوذها على معظم الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق في شمال شرق البلاد عقب العملية العسكرية التي جرت في يناير/كانون الثاني 2026، كما تم التوصل إلى اتفاق يقضي بدمج قوات سوريا الديمقراطية تدريجياً ضمن مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، بقيت محافظة السويداء خارج السيطرة الحكومية إلى حد كبير، في ظل استمرار التوترات المحلية والانقسامات الداخلية.
ورصد التقرير تراجعاً في مستوى العنف مقارنة بالأشهر التي أعقبت سقوط نظام الأسد، مع انخفاض ملحوظ في حوادث القتال المرتبطة بالنزاع، باستثناء الاشتباكات التي شهدها شمال شرق سوريا مطلع عام 2026.
ورغم هذا التحسن، أكد التقرير أن المشهد الأمني لا يزال هشاً، نتيجة استمرار نشاط تنظيم داعش، وأعمال العنف ذات الطابع الانتقامي والطائفي، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، إضافة إلى ارتفاع معدلات الجريمة.
كما خصص التقرير مساحة لملف العدالة الانتقالية، مؤكداً أن التقدم في هذا المسار لا يزال بطيئاً رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق.
وبحسب متابعة هولندا عربية لما ورد في التقريرين، فإن الوكالة ترى أن بطء مسار العدالة الانتقالية واستمرار بعض أعمال العنف والانتهاكات يشكلان من أبرز التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية، رغم التحسن النسبي في الأوضاع الأمنية.
وأوضح التقرير أن هذا البطء ساهم في وقوع أعمال عنف انتقامية ضد أشخاص يُعتقد بارتباطهم بالنظام السابق، في ظل استمرار بعض الانتهاكات الأمنية، بما فيها القتل والخطف على يد جماعات مسلحة محلية أو جهات مجهولة، الأمر الذي يعكس أن ملف المحاسبة وسيادة القانون ما يزال من أبرز التحديات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ورغم تخفيف جزء من العقوبات الدولية وإطلاق إصلاحات اقتصادية شملت زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، أكد التقرير أن الظروف المعيشية لم تشهد تحسناً ملموساً.
ولا يزال التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية يثقل كاهل السوريين، فيما يعيش نحو 80% من السكان تحت خط الفقر، ويحتاج 15.6 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.
وبحسب التقرير، عاد منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 أكثر من 1.6 مليون لاجئ سوري و1.9 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية.
إلا أن الوكالة شددت على أن الدمار الواسع، وضعف الخدمات الأساسية، وتراجع الاقتصاد، وغياب فرص العمل، لا تزال تشكل عوائق رئيسية أمام تحقيق عودة آمنة ومستدامة.
وعلى صعيد اللجوء، سجل التقرير استمرار انخفاض عدد طلبات الحماية المقدمة من السوريين داخل الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ عددها نحو 17,300 طلب خلال الفترة المشمولة بالتقرير، معظمها طلبات لأول مرة.
كما تراجعت سوريا من ثالث أكبر جنسية تقدمت بطلبات اللجوء عام 2025 إلى المرتبة السادسة خلال عام 2026، بينما بقيت ألمانيا الوجهة الرئيسية، مستقبلةً أكثر من 40% من إجمالي الطلبات.
وأصدرت دول الاتحاد الأوروبي خلال الفترة ذاتها نحو 57 ألف قرار أولي بشأن طلبات السوريين، وبلغ متوسط نسبة الاعتراف بالحماية الدولية 21% من القرارات الصادرة خلال الفترة المشمولة بالتقرير، مع استمرار تفاوت نسب القبول بين الدول الأوروبية.
ويرسم تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء صورة متوازنة للمشهد السوري؛ فهو يوثق تقدماً في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسناً نسبياً في الوضع الأمني، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن بطء العدالة الانتقالية، واستمرار أعمال العنف، واتساع رقعة الفقر، وتراجع الخدمات الأساسية، كلها عوامل تمنع اعتبار سوريا بلداً مستقراً بشكل كامل.
ويشير التقرير إلى أن هذه المعطيات ستبقى جزءاً أساسياً من تقييمات اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب دراسة الظروف الفردية لكل طالب حماية، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى التطورات السياسية وحدها.
وكالة اللجوء الأوروبية: تحسن في المشهد السوري… لكن بطء العدالة الانتقالية والفقر يهددان الاستقرار


+ There are no comments
Add yours