بقلم: زكريا كرش
Zakarya karash
تشهد الخارطة اليمنية تسارعًا مؤلمًا يكرر، بشكل لافت، تسلسل أحداث الماضي القريب. بينما تترنح الحكومة الشرعية تحت وطأة العجز، تستمر المحافظات في السقوط قطعة تلو الأخرى في أيدي المليشيات المسلحة. المشهد الحالي في حضرموت، وسيطرة قوات ما يُعرف بـ المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق حيوية في سيئون ووادي حضرموت، ليس مجرد حدث عسكري عابر، بل هو فصل جديد يكمل قصة الانهيار الشامل للدولة، ويربطها بخيط دموي واحد. هذا التمدد بدأ منذ زمن في عدن، مروراً بالسيطرة على أبين والضالع ولحج، ثم تعزيز السيطرة على شبوة مؤخراً، ليصل اليوم إلى آخر معاقل الشرعية في الشرق، وهي حضرموت.
1. ما أشبه الليلة بالبارحة: سيناريو التسليم المكرر
إن طريقة سقوط المحافظات الجنوبية، وخصوصاً سيئون بمطارها الدولي وقصرها الجمهوري ومعسكراتها، تحمل تشابهاً صادماً لما جرى في شمال اليمن عام 2014. فكما سقطت صنعاء وغيرها من المحافظات بيد مليشيا الحوثي بعد تسليم المعسكرات والمنشآت الحكومية دون مواجهة حقيقية تذكر، يتكرر اليوم المشهد في الجنوب.
هذا التوازي يطرح سؤالاً نقدياً: هل كان هذا التسليم خياراً لـ “عدم إراقة الدماء”، أم أنه إعلان ضمني لـ “انتهاء الشرعية وفشلها” في إدارة المناطق المتبقية؟
ولكن يظل التساؤل الاستراتيجي الأكبر يلوح في الأفق: هل ما نشهده هو حقاً انهيار عفوي للشرعية، أم أن كل هذا المشهد هو جزء من صفقة سرية كبرى، وهي “اتفاقية تسليم المحافظات الجنوبية للمجلس الانتقالي مقابل استعادة الشمال من سيطرة الحوثيين”؟
إن هذا الاحتمال، وإن كان صادماً، يفسر السرعة والسهولة التي تتخلى بها الحكومة عن آخر حصونها في الجنوب. وإذا كان هذا هو الثمن، فيجب أن يُطرح التساؤل الأهم: ما الفائدة من تحرير الشمال إذا كان الجنوب سيسقط في أيدي مليشيات أخرى، ليصبح اليمن ممزقاً بين سلطتين لا تعترفان بالدولة الموحدة؟
إن استمرار هذا النمط يؤكد أن شرعية الحكومة، التي تتنقل بين غرف الفنادق في العواصم الإقليمية، قد نفذت صلاحيتها على الأرض، وسقطت آخر حصونها بـ “قرار تسليم” لا يختلف عن سابقه.
2. عجز الشرعية ومأساة الصراع على الثروات
بينما تتهاوى المحافظات وتستباح ثرواتها، يغيب صوت الدولة الحقيقي. يقتصر دور الحكومة الشرعية على إصدار بيانات الإدانة المتكررة التي لا يترتب عليها أي فعل عسكري أو سياسي حاسم. في الوقت ذاته، تتجه الأنظار نحو حضرموت الغنية بالنفط، حيث يعكس التوتر الأخير (الذي تلعب الوساطة السعودية دوراً لاحتوائه) صراعاً معقداً على النفوذ والسيطرة على مقدرات المحافظة بين مختلف القوى.
إن الاعتماد الكلي على مفاوضات الخارج، دون وجود استراتيجية موحدة لاستعادة الدولة، يجعل من “العجز هو الاستراتيجية الوحيدة” للحكومة، في انتظار حل يأتي من العواصم الإقليمية. وبسقوط المزيد من المناطق، يتضاءل حجم المساحة التي يمكن لهذه الحكومة “الموقرة” أن تحكمها.
3. الحوثي المستفيد الأكبر والمواطن الخاسر الأعظم
من هو الكاسب الأكبر من هذه البلبلة؟
بلا شك هم الحوثيون. إن توسع مليشيات الانتقالي في الجنوب لا يزيد الشرعية إلا تشتيتاً وضعفاً، ففتح جبهتين قتاليتين في آن واحد أمر ليس بالسهل، مما يضمن للحوثيين استقرار سيطرتهم في الشمال.
أما الخاسر الأعظم فهم المواطنون اليمنيون. ويتركز هذا الخسارة بشكل خاص على المواطنين الشماليين المقيمين في المحافظات الجنوبية.
في ظل طموح الانتقالي المعلن بالانفصال، وسوابقه في عمليات الترحيل والاعتداء على السكان الشماليين، يصبح مصيرهم محتوماً: الترحيل إلى الشمال، حيث ينتظرهم كابوس آخر اسمه الحوثيون.
الدولة تتبخر، والمشروع الوطني يتلاشى، واليمن يسقط في أيدي المليشيات قطعة تلو الأخرى. ما لم تتوقف الحكومة الشرعية عن دورها السلبي، فإن الأمور ستخرج عن السيطرة بشكل لا يمكن تداركه، ولن يبقى للشرعية سوى ذكريات لمناطق كانت يوماً ما تحت سيطرتها.
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط، وليس بالضرورة عن رأي موقع هولندا عربية.
نرحب بجميع الأقلام والأراء … هل لديك رأي أو تجربة تود مشاركتها؟ أرسل مقالك إلينا


+ There are no comments
Add yours