تابعنا في هولندا عربية صدور التقريرين الأمنيين الخاصين بسوريا واليمن مع الفارق الزمني بين التقريرين، وأجرينا مقارنة معمّقة بين مضمونهما، ليس بهدف المفاضلة بين معاناة شعبين، ولا من باب الانتقاص من حق أي لاجئ في الحماية، بل انطلاقاً من سؤال واحد: هل طُبّق معيار الخطر نفسه على البلدين؟ النتيجة التي وصلنا إليها واضحة ومقلقة، وهي أن الخاسر الأكبر من هذا الخلل هو اللاجئ اليمني.
من المهم التأكيد منذ البداية أن ما ورد في التقرير السوري من توصيف للمخاطر هو توصيف مبرَّر ومنصف، التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الهولندية تعامل مع الملف السوري بجدية وعمق، واعترف بأن الخطر لا يرتبط فقط بوجود المعارك، بل بطبيعة السلطة، وبسلوك الأجهزة الأمنية، وبغياب أي ضمانات قانونية حقيقية للعائدين.
التقرير أشار بوضوح إلى الاعتقال التعسفي، والتجنيد الإجباري، والملاحقة الأمنية حتى في المناطق التي تبدو مستقرة، وخلص إلى أن السيطرة العسكرية لا تعني الأمان. هذا التوصيف يعكس واقعًا يستحقه اللاجئ السوري، ولا يمكن اعتباره مبالغة أو تشددًا غير مبرر.
الإشكالية الحقيقية تبدأ عند قراءة التقرير الأمني الخاص باليمن. فالتقرير، رغم احتوائه على وقائع خطيرة، جاء سطحياً في تحليله، ومختزلاً في خلاصاته. هو تقرير يعترف بغياب سلطة مركزية موحدة، وبوجود سلطات أمر واقع متعددة، وباختلاف القوانين والممارسات من منطقة إلى أخرى، لكنه لا يتعامل مع هذه المعطيات باعتبارها تهديداً مباشراً وشاملاً لحياة الفرد. غياب الدولة في اليمن لم يُقدَّم كعامل خطر أساسي، بل كواقع إداري يكاد يُذكر عرضاً.
التقرير اليمني يقرّ بانتشار جماعات مسلحة غير خاضعة لأي تسلسل قيادي واضح، ويذكر وجود نقاط تفتيش غير نظامية، ووقوع اعتقالات دون أوامر قضائية، وغياب آليات المساءلة. هذه الوقائع، في أي تحليل أمني جاد، تعني أن الخطر غير قابل للتنبؤ، وأن حياة الفرد يمكن أن تنقلب في أي لحظة بسبب انتماء مناطقي، أو شبهة، أو ابتزاز مالي، ومع ذلك، لا تنعكس هذه الصورة في التقييم النهائي لمستوى الخطورة، وكأن الفوضى المسلحة أقل خطراً من القمع المنظّم.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. التقرير نفسه يشير إلى وجود تنظيم القاعدة في الجنوب، ولا سيما في حضرموت، لكنه يقدّم هذه الحقيقة كمعطى أمني معزول، دون ربطه بتأثيره المباشر على المدنيين. الواقع الميداني يؤكد أن وجود القاعدة في هذه المناطق ليس طارئاً ولا هامشياً، بل متجذر ويترافق مع عمليات تجنيد، واغتيالات، وفرض نفوذ، وتهديد دائم لكل من يُنظر إليه على أنه خارج المنظومة. تجاهل هذا الأثر يجعل التقرير اليمني يبدو وكأنه يقلل من أخطر عناصر التهديد في البلاد.
اقتصادياً، يعترف التقرير اليمني بانهيار العملة، وتوقف الرواتب في قطاعات واسعة، وغياب الخدمات الأساسية، لكنه لا يتعامل مع هذه الوقائع بوصفها عوامل خطر بحد ذاتها. في اليمن، هذا الانهيار الاقتصادي ليس مجرد أزمة معيشية، بل مدخل مباشر للتجنيد القسري، والعمل القسري، والابتزاز، والانخراط في اقتصاد الحرب. في المقابل، ورغم العقوبات والضغوط، تُظهر سوريا اليوم مستوى أعلى نسبياً من الاستقرار الاقتصادي والإداري، ووضوحًا أكبر في مراكز السيطرة، ما يجعل الحياة اليومية من حيث القدرة على التنبؤ والبقاء أقل هشاشة مقارنة باليمن.
المفارقة الصادمة أن هذه الوقائع كلها مذكورة، بشكل أو بآخر، في التقرير اليمني نفسه، لكنها لم تُقرأ ولم تُحلَّل بالعمق نفسه الذي حظي به التقرير السوري. الخطر في اليمن لم يُنكر، لكنه جرى تفكيكه إلى تفاصيل منفصلة، دون جمعها في صورة واحدة تقول بوضوح إن اليمن بلد شديد الخطورة على الفرد، لا بسبب حرب شاملة فقط، بل بسبب غياب الدولة، وتعدد المليشيات، وانتشار التنظيمات المتطرفة، وانعدام أي حماية قانونية.
اعتماد وزارة اللجوء والهجرة الهولندية على هذا التقرير بصيغته الحالية يخلق خللاً واضحاً في العدالة بين اللاجئين. اللاجئ السوري حصل على تقرير يعترف بتعقيد المخاطر التي يواجهها ويترجمها إلى تقييم صارم، بينما يُترك اللاجئ اليمني رهينة تقرير يعترف بالفوضى، لكنه لا يراها خطراً كافياً.
الخلاصة التي نصل إليها من هذه المقارنة ليست أن سوريا أقل خطراً، ولا أن السوريين لا يستحقون الحماية، بل العكس تماماً. اللاجئ السوري يستحق هذا التقييم، تماماً كما يستحقه اللاجئ اليمني. المشكلة أن التقرير اليمني كُتب بعقلية إدارية، لا بعين تحليل أمني حقيقي، فكانت النتيجة أن اللاجئ اليمني خسر حقه في توصيف عادل لواقعه، ودفع ثمن تقرير لا يعكس حجم الخطر الذي يواجهه فعلياً. هنا، لا يكون الخلل في الواقع، بل في طريقة قراءته، ولا يكون الظلم في المقارنة، بل في كسر معيار العدالة نفسه.


+ There are no comments
Add yours