ما الذي يهمّ اللاجئ السوري في التقرير الأمني الهولندي عن سوريا؟

قراءة تحليلية في التقرير الأمني الهولندي حول سوريا – يناير 2026 من هولندا عربية

في يناير 2026 أصدرت وزارة الخارجية الهولندية تقريرها الأمني العام حول سوريا، وهو المرجع الأساسي الذي تعتمد عليه دائرة الهجرة والمحاكم الهولندية عند تقييم طلبات اللجوء والحماية، وكذلك عند مناقشة ملفات العودة. في هولندا عربية قرأنا التقرير كاملًا، ونعرض هنا قراءة تحليلية تركّز على ما يهمّ اللاجئ السوري عملياً، بعيداً عن التفاصيل التقنية التي لا تنعكس مباشرة على قرارات الإقامة أو الحماية Algemeen+ambtsbericht+Syrie+jan…

أول ما يلفت الانتباه في التقرير هو التأكيد المتكرر على أن التغيّر السياسي الذي شهدته سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد لم يؤدِّ إلى استقرار أمني شامل. التقرير يميّز بوضوح بين وجود سلطة جديدة وبين قدرة هذه السلطة على فرض الأمن وحماية المدنيين وضمان الحقوق. وبناءً على ذلك، لا يقدّم التقرير أي توصيف لسوريا كبلد مستقر أو صالح للعودة الآمنة.

عند النظر إلى الخريطة الأمنية من زاوية تهمّ اللاجئ، يتضح أن التقرير لا يصنّف المحافظات على أساس “آمنة” و”غير آمنة”، بل على أساس درجات متفاوتة من الخطورة. مناطق مثل إدلب، دير الزور، الرقة، الحسكة وأجزاء واسعة من البادية السورية تُوصَف بأنها مناطق عالية الخطورة، بسبب استمرار العنف، ونشاط خلايا تنظيم داعش، وانتشار السلاح، وضعف السيطرة الأمنية الفعلية. هذه المناطق، وفق التقرير، تشهد تفجيرات واغتيالات وحوادث عنف تؤثر بشكل مباشر على المدنيين، ولا توفّر أي بيئة آمنة للحياة الطبيعية.

مدن ومحافظات مثل حلب، حمص، حماة، ريف دمشق ودرعا تُصنّف كمناطق غير مستقرة. ورغم أن مستوى العنف فيها قد يكون أقل مقارنة بالمناطق الشرقية أو الشمالية، إلا أن التقرير يوثّق استمرار الاعتقالات التعسفية، والتصفيات الفردية، والنزاعات المحلية، إضافة إلى وجود مجموعات مسلحة مدمجة شكليًا في مؤسسات الدولة دون خضوعها الكامل لرقابة مركزية أو محاسبة فعّالة. بالنسبة للاجئ، هذا يعني أن غياب المعارك الكبرى لا يساوي أمانًا حقيقيًا أو حماية قانونية.

أما دمشق، اللاذقية وطرطوس، فيصفها التقرير بأنها مناطق أكثر هدوءًا نسبيًا، لكنه يحذّر صراحة من اعتبار هذا الهدوء دليلًا على الأمان. ففي هذه المناطق، يسجّل التقرير اعتقالات على خلفيات سياسية أو أمنية، وتضييقًا على حرية التعبير، إضافة إلى أحداث عنف طائفي، خصوصًا في الساحل السوري خلال عام 2025. وقد وثّقت تقارير أممية، أشار إليها التقرير الهولندي، انتهاكات جسيمة طالت مدنيين من الطائفة العلوية، شملت القتل خارج إطار العمليات العسكرية، والتعذيب، والنهب، وهي انتهاكات اعتُبرت في بعض الحالات أفعالًا قد ترقى إلى جرائم حرب.

في جانب حقوق الإنسان، وهو من أكثر ما يهمّ اللاجئ السوري، يؤكد التقرير أن الانتهاكات ما تزال مستمرة، وإن تغيّرت الجهات المسؤولة عنها. يتحدث التقرير عن اعتقالات تعسفية، وسوء أوضاع الاحتجاز، وحالات تعذيب، وضعف استقلال القضاء، وعدم فعالية آليات الشكاوى. كما يوضح أن وجود محاكم لا يعني بالضرورة توافر محاكمة عادلة أو حماية قانونية حقيقية، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني.

ويولي التقرير اهتماماً خاصاً بوضع الأقليات والفئات الهشّة. إذ يذكر أن العنف والانتهاكات طالت أقليات دينية ومذهبية مثل العلويين، الدروز، المسيحيين، والإسماعيليين، إضافة إلى الأكراد في شمال وشرق سوريا، حيث تتداخل السلطات وتتصاعد التوترات الأمنية. كما يشير إلى هشاشة وضع الفلسطينيين في سوريا، الذين يواجهون مخاطر أمنية وقانونية مضاعفة. ويتناول التقرير أوضاع النساء، لا سيما اللواتي يعشن بمفردهن، باعتبارهن أكثر عرضة للعنف والاستغلال في ظل ضعف الحماية الاجتماعية والقانونية، إلى جانب الإشارة إلى أوضاع الأطفال القُصّر وصعوبات الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية في عدة مناطق.

فيما يتعلق بالعودة من الخارج، وهي مسألة محورية للاجئين، يتعامل التقرير بحذر شديد. فبالرغم من تسجيل حالات عودة محدودة من دول الجوار وأوروبا، يؤكد التقرير أن العودة لا تعني الأمان. العائدون قد يواجهون استجوابات عند الحواجز، خطر الاعتقال، صعوبات في استعادة الممتلكات، وانعدام فرص العمل والخدمات. ويشدّد التقرير على أن الدعم المقدم للعائدين محدود ولا يوفّر شروط العودة الآمنة والكريمة والمستدامة.

خلاصة هذه القراءة أن التقرير الأمني الهولندي، حتى يناير 2026، لا يقدّم أساساً للقول بوجود مناطق آمنة في سوريا يمكن الاعتماد عليها للعودة. بالنسبة للاجئ السوري، الرسالة الأساسية للتقرير هي أن المخاطر ما تزال قائمة، وأن التغيير السياسي لم يُترجم إلى حماية فعلية أو ضمانات قانونية كافية، وأن كل حالة يجب أن تُقيَّم على ضوء هذا الواقع الهش والمعقّد.

ملاحظة تحريرية: تضمّن التقرير الأصلي تفاصيل موسّعة حول البنية العسكرية والأمنية، بما في ذلك ذكر ألوية ووحدات وقيادات، وقد تمّت الإشارة إلى هذه الجوانب في هذا المقال بشكل مقتضب فقط، نظرًا لكونها أقل ارتباطًا مباشرًا بتقييم أوضاع اللاجئين وقرارات الحماية مقارنة بالجوانب الأمنية والحقوقية العامة

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours