اللاجئ اليمني… حين تصبح النجاة معركة أخرى


قراءة تحليلية في حلقة بودكاست “ماذا بعد” للدكتور أبو بكر باذيب

في لحظةٍ إقليمية ودولية مشحونة، تعود قضية اللاجئ اليمني إلى الواجهة، لا بوصفها ملفاً إجرائياً عابراً، بل باعتبارها مأساة إنسانية مركبة، تتقاطع فيها الحرب بالسياسة، واللجوء بالبيروقراطية، والنجاة بالخوف المؤجل. في حلقته الأخيرة من بودكاست “ماذا بعد”، يفتح الدكتور أبو بكر باذيب جرحاً مسكوتاً عنه، تحت عنوان مكثف الدلالة: “اللاجئ اليمني… قضية بلا صوت”، وهو عنوان لا يصف الواقع بقدر ما يفضحه.

منذ اللحظة الأولى، يضع باذيب المستمع أمام معادلة قاسية: الحرب في اليمن لم تنتهِ، لكنها غيّرت شكلها فقط. لم تعد صور القصف وحدها هي العنوان، بل تمددت الفوضى الأمنية، وتعددت مراكز النفوذ، وتداخلت التدخلات الإقليمية، حتى باتت البلاد ساحة مفتوحة لاحتمالات العنف والانهيار. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في الضفة الأخرى من المشهد؛ حيث تشهد هولندا، ومعها جزء واسع من أوروبا، تشديداً متصاعداً في سياسات اللجوء، في توقيت يبدو – بالنسبة لليمني – أشبه بإغلاق باب النجاة الأخير.

لا يذهب باذيب إلى تفسير هذا التشديد بوصفه موقفاً خاصاً من اليمنيين، بل يضعه في سياقه السياسي الأوسع. فالهجرة، كما يوضح، تحولت داخل هولندا إلى قضية سياسية حساسة، تتقاطع مع ملفات الاقتصاد والهوية والأمن وصعود اليمين. وفي مثل هذا المناخ، يصبح اللاجئ – أيّاً كانت جنسيته – جزءاً من صراع داخلي لا يملك أدوات التأثير فيه. غير أن هشاشة الصوت اليمني، كونه صوت أقلية داخل أقلية، جعلت تأثير هذه التحولات عليه أكثر قسوة ووضوحاً.

الأرقام غير الرسمية التي يستعرضها تعكس هذا التحول الحاد. فبعد أن كان الحديث يدور عن نسب قبول ورفض متقاربة، تدهورت المؤشرات – وفق شهادات ميدانية – إلى مستويات صادمة، حتى باتت الإقامات نادرة، والرفض هو القاعدة. الصدمة لم تتوقف عند فئة بعينها؛ صحفيون، ناشطون، فتيات قاصرات أو شابات بمفردهن… جميعهم طالتهم قرارات الرفض. وكأن المعيار لم يعد طبيعة الخطر، بل تصور بيروقراطي مجرد عن “غياب الخطر المباشر”.

هنا يبرز أحد أخطر التحولات التي تناقشها الحلقة: انتقال تقييم اللجوء من فهم سياق الحرب المركبة، إلى البحث عن تهديد شخصي مباشر ضيق التعريف. لم تعد الحرب، ولا الانفلات الأمني، ولا تفكك الدولة، كافية بذاتها. بل بات المطلوب أن يثبت اللاجئ أن الخطر “مفصل” عليه وحده، وهو معيار يصعب تحقيقه في بيئة فوضوية أصلاً، حيث التهديد شامل لكنه غير موثق فردياً.

وفي هذا السياق، يتوقف باذيب مطولاً عند تقرير بحثي موسع تناول صورة اليمن في الذهنية المؤسسية الهولندية، كاشفاً عن فجوة عميقة بين التقارير الأمنية المكتبية والواقع الميداني المعقد. فحين تُختزل اليمن في خرائط نفوذ جامدة، أو قراءات سياسية سطحية، يغيب البعد الإنساني المركب، وتتحول طلبات اللجوء إلى ملفات تقنية باردة، لا تعكس حقيقة الخوف الذي حمل أصحابه إلى أوروبا.

لكن النقد لا يتوقف عند المؤسسات الرسمية وحدها. إذ يوجه باذيب قراءة نقدية أيضاً لأدوات التحرك اليمني داخل هولندا. فبينما يثمن الوقفات الاحتجاجية والجهود الشبابية، يرى أنها ما تزال تدور في دائرة رمزية مغلقة، تخاطب أطرافاً محدودة التأثير. الرسالة – كما يطرح – لن تصل ما لم تُنقل من ساحة الاحتجاج إلى طاولات القرار، عبر لقاءات رسمية، وتقارير موثقة، وتواصل مباشر مع فاعلين داخل بنية الحكم.

هذا الطرح لا يأتي من باب التقليل من الجهود، بل من باب البحث عن فاعلية أكبر. فالقضية، في نظره، لم تعد تحتمل الاكتفاء بالرمزية، بل تحتاج انتقالاً نحو التأثير المؤسسي الحقيقي، القادر على تحويل المعاناة إلى مادة نقاش سياسي وتشريعي.

ورغم قتامة الصورة، لا ينزلق الخطاب نحو اليأس الكامل. إذ يحرص باذيب على إعادة توجيه البوصلة نحو ما يمكن فعله فردياً. فالقضية، وإن تأثرت بالسياق العام، ما تزال – قانونياً – قضية شخصية. طريقة عرض الملف، توثيق التهديد، ربط الخطر بالسيرة الذاتية، تفعيل الاستئناف، الاستعانة بمحامٍ كفء… كلها مساحات حركة لا تزال قائمة داخل النظام القانوني الهولندي.

غير أن البعد النفسي يظل الأكثر إيلاماً. سنوات الانتظار الطويلة في مراكز اللجوء، بلا أفق واضح، تخلق حالة استنزاف داخلي قاسية. بعض اللاجئين – كما ينقل – باتوا يفضلون صدور قرار بالرفض على استمرار التعليق المفتوح. إنها حالة “تجميد وجودي”، عالق فيها الإنسان بين ماضٍ مدمر ومستقبل مؤجل.

ورغم ذلك كله، يظل خيار العودة مستحيلاً. فاليمن، في توصيف الحلقة، لا يقدم مستقبلاً يمكن الرجوع إليه. ولهذا يستمر التدفق، ويستمر الأمل، ويستمر الصبر القسري.

في المحصلة، لا تقدم الحلقة حلولاً سحرية، بقدر ما ترسم خريطة وعي. هي دعوة لفهم السياق السياسي، ونقد أدوات التحرك، وإعادة بناء الخطاب الإعلامي، وتعزيز الاحتراف القانوني، دون السقوط في فخ الاستسلام.

فاللاجئ اليمني، كما يختتم باذيب رؤيته الضمنية، لم يهرب بحثاً عن رفاهية… بل بحثاً عن حقه الأول: البقاء حيّاً. وبين حربٍ لم تنتهِ، وسياساتٍ تزداد صرامة، تبقى قضيته معلقة… تبحث عمّن يسمع صوتها.

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours