في مساء الحادي عشر من فبراير/شباط 2026، لم تكن وقفة اللاجئين اليمنيين مجرّد تجمّع احتجاجي عابر، بل مساحة مفتوحة لقصص إنسانية مثقلة بالخوف والانتظار. وجوه عديدة حضرت وهي تحمل لافتات، لكن بعضها كان يحمل ما هو أثقل من الكلمات: حكايات معلّقة بين قرار رفض وموعد محكمة قد يحدّد المصير.
من بين تلك القصص، برزت حكاية اللاجئة اليمنية إيمان العطيبي، التي وصلت إلى هولندا عام 2023، وحيدةً بلا عائلة ترافقها، حاملةً معها رحلة خوف طويلة وأملًا بسيطًا بأن تنتهي عند حدود الأمان.
منذ ما يقارب السنتين ونصف، تحاول إيمان أن تبني حياة جديدة، وأن تتأقلم مع واقع مختلف، لكن كل ما بنته بدا وكأنه توقّف فجأة عند لحظة واحدة: لحظة استلامها قرار رفض طلب اللجوء، نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025.
تصف تلك اللحظة بقولها إن الصدمة كانت أكبر من قدرتها على الاستيعاب. شعرت أن كل شيء انهار دفعة واحدة، وأن الأرض سُحبت من تحت قدميها. لم تفكّر بنفسها أولًا، بل بأطفالها، وبالخوف من أن تفقد الأمان الذي اعتقدت أنها وجدته أخيرًا. كان ذلك، كما تقول، أصعب يوم مرّ عليها منذ وصولها.
بكت كثيرًا بعد القرار. لم يكن بكاء اعتراض، بل بكاء خوف. خوف من مستقبل مجهول، وخوف أكبر من فكرة العودة. فهي تؤكد أنها لا تستطيع الرجوع أصلًا، لأن قصتها لم تبدأ في هولندا، بل قبل ذلك بسنوات.
تعرضت إيمان لزواج قسري وهي قاصر، خلال فترة وجودها في السعودية، حيث كانت تعيش كأجنبية بلا حماية قانونية حقيقية. هناك، كما تروي، لم يكن لديها سند يحميها من ضغوط العائلة أو من القرارات التي فُرضت عليها دون إرادتها. ومع استمرار التهديدات العائلية، وجدت نفسها محاصرة بحياة لا تملك فيها حق الرفض ولا القدرة على الهروب الآمن.
كانت تخشى العودة إلى اليمن بسبب تلك التهديدات، وفي السعودية لم تشعر بالأمان كذلك، كونها أجنبية بلا حماية فعلية. تصف تلك المرحلة بأنها عيش دائم تحت الضغط، بلا جهة يمكن اللجوء إليها، وبلا قانون يحميها إن قررت أن تقول “لا”.
لكن قصة إيمان لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع الذي تعيشه آلاف النساء اليمنيات. فاليمن، وفق تقارير دولية متعددة، يُعدّ من أكثر البيئات خطورة على النساء، خصوصًا في ظل النزاع المسلح، وضعف مؤسسات الدولة، وهيمنة الأعراف القبلية.
تشير تقارير صادرة عن منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و“العفو الدولية” إلى انتشار واسع لظواهر الزواج القسري وزواج القاصرات، وارتفاع معدلات العنف الأسري، في ظل غياب شبه كامل لآليات الحماية القانونية الفعّالة. كما توثّق تقارير أممية تزايد حالات التجنيد القسري للأطفال، واستغلال العائلات للسلطة المجتمعية لفرض قرارات مصيرية على النساء دون إرادتهن.
في هذا السياق، يصبح خوف إيمان على ابنتها امتدادًا واقعيًا لتجارب موثّقة، لا مجرّد هواجس شخصية. تخشى أن تُفرض على طفلتها المعاناة ذاتها التي عاشتها، وأن تجد نفسها عاجزة عن حمايتها داخل بيئة لا تعترف برفض المرأة، ولا توفّر لها ملاذًا قانونيًا آمنًا.
أما خوفها على أطفالها الذكور، فيرتبط بما وثّقته تقارير دولية عن تجنيد القاصرين في مناطق النزاع، حيث يتحوّل الأطفال إلى وقود لحروب لا يفهمونها. بالنسبة لها، العودة لا تعني فقط فقدان الاستقرار، بل تعني فتح أبواب مخاطر متعددة لا تملك القدرة على صدّها.
منذ صدور قرار الرفض، تغيّرت تفاصيل حياتها اليومية. تفكير دائم لا يغيب، وقلق يرافقها حتى في نومها. تقول إن نومها لم يعد مستقرًا، وإنها تستيقظ أحيانًا على خوف مفاجئ حين تتذكر احتمال العودة، وكأن القرار لم يبقَ ورقة قانونية، بل تحوّل إلى عبء نفسي يومي.
اليوم، تنتظر إيمان موعد المحكمة. لا تنظر إليه كإجراء إداري عابر، بل كخطٍ فاصل بين مصيرين: حياة قد تبدأ بالأمان، وأخرى قد تعيدها إلى الدائرة التي هربت منها.
مطلبها واضح وبسيط: الحماية فقط. لا تطلب أكثر من أن تعيش دون تهديد، ودون أن ترى معاناتها تتكرر في أطفالها.
قصة إيمان، التي خرجت من قلب وقفة اللاجئين اليمنيين، ليست حالة فردية معزولة، بل صورة مكثّفة لواقع أوسع تعيشه نساء كثيرات في بيئات الصراع والهشاشة القانونية. وبينما تستعد قاعة المحكمة لاستقبال ملف جديد، تقف خلف الأوراق حياة كاملة تنتظر الحكم… حياة أم تدرك أن العودة، بالنسبة لها، ليست انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل احتمال الانزلاق مجددًا إلى دائرة الخطر التي نجت منها بصعوبة.


+ There are no comments
Add yours