بقلم: زكريا كرش
Zakarya karash
في قرار تاريخي وحاسم، أعاد رسم ملامح المشهد اليمني، أعلن مجلس القيادة الرئاسي إقالة عيدروس الزبيدي من عضوية المجلس، وإحالته إلى النائب العام للتحقيق في اتهامات “الخيانة العظمى”. جاء هذا المنعطف القانوني الحاد بعد تمرد الزبيدي ورفضه القاطع لتلبية دعوة الرياض لمناقشة التطورات، واختياره التواري في “مكان مجهول”؛ ليعلن بذلك نهاية عصر “الازدواجية” في معسكر الشرعية، والانتقال من مربع الاحتواء السياسي إلى مربع الحسم القانوني والميداني.
الحزم الاستباقي: دروس الشمال تُجهض مأساة الجنوب
إن الرسالة الأهم من هذا التحرك الصارم هي أن الدولة اليمنية، وبدعم كامل من المملكة العربية السعودية، قد استوعبت جيداً “الخطيئة التاريخية” التي ارتُكبت في صنعاء عام 2014؛ حين منح الصبر والانتظار مليشيا الحوثي فرصة للتجذر والسيطرة. اليوم، تقرر إجهاض “سيناريو الحوثي الثاني” في الجنوب وهو في مهده؛ فالحزم الذي نراه اليوم تجاه التمرد في عدن هو الضمانة الوحيدة لمنع نشوء “مليشيا” أخرى بزيّ مختلف، وقطع الطريق على أي محاولة لابتزاز الدولة بقوة السلاح.
تحرير “القضية الجنوبية” من احتكار “الفصيل الواحد”
ولأن السياسة لا تعرف الفراغ، فإن سقوط مشروع الاستحواذ الذي مارسه الانتقالي لسنوات يفتح الباب على مصراعيه لولادة “تعددية جنوبية” طالما قُمعت تحت التهديد. إن صعود “مجلس حضرموت الوطني” والكيانات الجنوبية المتمسكة بالشرعية لم يعد مجرد خيار، بل صار ضرورة لسد الفجوة التي خلفها ارتهان الزبيدي لمشاريع الصدام. اليوم، تجد المكونات الجنوبية التي رُفعت في وجهها لافتات “التخوين” نفسها أمام مسؤولية تاريخية لإعادة صياغة القضية الجنوبية ضمن إطار الدولة، بعيداً عن منطق القرية أو فوهة البندقية الموجهة لصدور الإخوة.
ارتباك القيادة ومقامرة “توزيع السلاح”
بالتوازي مع هذه التحولات، يبرز مشهد الانحدار الأخير لبقايا التمرد؛ حيث تشير التقارير إلى لجوء فصائل الانتقالي لتوزيع السلاح على المدنيين في عدن، في محاولة يائسة لتحويل الشارع إلى “درع بشري” لحماية قيادات فرّت وتركت القواعد تواجه المجهول. هذا السلوك “اللاإنساني” يثبت أن منطق المليشيا هو الذي كان يقود المشهد، وأن استعادة عدن بواسطة “قوات درع الوطن” و“ألوية العمالقة” باتت ضرورة قصوى لحماية الإنسان قبل الأرض.
وهنا يبرز تساؤل يزعزع كافة التكهنات: هل يمثل الزبيدي حقاً رأس الهرم والمؤثر الأكبر في هذا المسار، أم أنه مجرد “رجل ثاني” تم تقديمه للواجهة لاستنزاف الحضور السياسي للجنوب، بينما تدار الخيوط الحقيقية من خلف الكواليس؟ إن الإجابة على هذا السؤال قد تكشف أن ثمة قوىً أشد خطورة تتوارى خلف ستار الزبيدي، وتستهدف إبقاء عدن في دوامة الصراع الدائم.
بوصلة “طارق” وإغلاق ملف المناكفات
وما عزز هذا الاصطفاف الوطني هو الموقف الواضح للعميد طارق صالح بالعودة الكاملة تحت كنف الدولة؛ مما يغلق الباب أمام أي مراهنة على تفتيت الصف الجمهوري. لقد أدرك الجميع أن “صنعاء” هي الهدف الأوحد، وأن أي قوة تشتت الجهد العسكري بعيداً عن الجبهات هي قوة تخدم المشروع الإيراني بالضرورة، سواء بقصد أو بغير قصد.
الخلاصة: ما بعد الزبيدي.. عودة “هيبة الدولة”
إن إحالة الزبيدي للتحقيق بتهمة الخيانة العظمى هي الخطوة التي تُعيد للمواطن ثقته في “هيبة الدولة”. لقد أثبتت الأحداث أن القضية الجنوبية العادلة كانت الضحية الأولى للمتاجرين بها، وأن استعادتها لا تمر عبر الفوضى، بل عبر جبهة وطنية موحدة.
اليوم، وبعد أن فُتحت ملفات المحاسبة، لم يعد السؤال: “من سيحكم عدن؟”، بل صار: “متى نتحرك نحو صنعاء بقلب واحد؟”.
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط، وليس بالضرورة عن رأي موقع هولندا عربية.**نرحب بجميع الأقلام والأراء … هل لديك رأي أو تجربة تود مشاركتها؟ أرسل مقالك إلينا


+ There are no comments
Add yours