تسارعت التطورات السياسية في لاهاي بشكل لافت بعد عطلة نهاية أسبوع حافلة بالمشاورات الهاتفية المكثفة بين قادة الأحزاب، في محاولة يائسة لكسر الجمود الذي أصاب مسار تشكيل الحكومة منذ أسابيع. ورغم أن أيًّا من العوائق الجوهرية لم يُرفع رسميًا، فإن فرص تشكيل حكومة أقلية تضم D66 والـCDA والـVVD بدأت تزداد بشكل واضح، ليبدو هذا الخيار الوحيد القابل للحياة وسط شبكة من الفيتوهات المتبادلة.
المكلّف بالاستطلاع، سيبراند بُوما، كان قد جمع الأحزاب الخمسة الأساسية إلى طاولة واحدة يوم الجمعة على أمل تفجير اختراق سياسي، إلا أن اللقاء الذي وُصف بأنه “جيد” و”بنّاء” لم يثمر عن أي اتفاق، ما دفعه إلى مطالبة الزعماء بقضاء عطلة نهاية الأسبوع في التفكير الجدي بالبدائل الممكنة. وتلبية لذلك، شهدت الساعات الماضية اتصالات مكثفة بين قادة D66 وCDA وVVD وGroenLinks-PvdA وJA21، لكن كل حزب خرج من تلك الجولة متمسكًا بموقفه ومتحفظًا على خيارات الآخرين.
ورغم أن هذه الاتصالات لم تُسقِط أي فيتو قائم، إلا أن المزاج داخل D66 بدأ يميل إلى التعامل مع خيار حكومة أقلية باعتباره المخرج الوحيد المتاح. فالحزب، الذي كان يفضّل حكومة ذات أغلبية واسعة تضم GroenLinks-PvdA، أدرك أن تمسك VVD برفض التعاون مع اليسار سيجعل هذا السيناريو مستحيلاً. أما JA21، الذي أبدى استعداده للمشاركة فقط إذا كانت الـVVD ضمن الحكومة، فيواجه رفضًا حادًا من D66 بسبب الفوارق الكبيرة في المواقف بينهما، إضافة إلى غياب أي دعم في مجلس الشيوخ لهذه التركيبة.
وفي معسكر GroenLinks-PvdA، يزداد الغضب من تحوّل D66 نحو خيار حكومة الأقلية. ويرى قادة اليسار أن هذا التحوّل يمثل “مكافأة لعناد الـVVD”، وفق تعبير مصادر داخل الحزب، خاصة بعد أن بات من الواضح أن الاتفاق المشترك الذي صاغه روب يتّن (D66) وهنري بونتنبال (CDA) قد فقد قيمته السياسية، بعد إعلان VVD أن أي مفاوضات جديدة يجب أن تبدأ “من الصفر”.
ورغم الانزعاج الواضح، لن يتمكن GroenLinks-PvdA، ولا أي حزب آخر، من إسقاط حكومة أقلية مسبقًا. فالدعم البرلماني المتحقق خطة بخطة سيبقى معيار نجاح الحكومة المقبلة، كما أن كل الأحزاب تدرك أن رفض مقترحات تتفق مع برامجها سيُحسب عليها سياسيًا. لذلك تلمّح بعض الأصوات اليسارية إلى إمكانية التعاون “المشروط” دون الالتزام بدعم دائم.
ومع اقتراب موعد تقديم بُوما لتقريره النهائي يوم الثلاثاء، تزداد التوقعات بأن يُعاد تكليفه أو يُعيَّن خلف له لمواصلة التفاوض حول سيناريو حكومة الأقلية باعتباره المخرج الأكثر واقعية من المأزق الحالي. لكن هذه الفوضى السياسية كلها تجري تحت أنظار رجل واحد يقف على حافة المشهد: غيرت فيلدرز. فزعيم الـPVV الذي أُقصي من بداية المشاورات يراقب التصادم بين الأحزاب التقليدية مترقبًا انهيار الأبواب التي أوصدت بوجهه. وبقدر ما يزداد الشلل السياسي، يزداد اقتناعه بقرب تلك اللحظة.
هكذا تجد هولندا نفسها على أعتاب أسبوع مصيري جديد، بين حكومة أقلية قد تُولد من رحم الفوضى، وأزمة ثقة تتسع في شارع يراقب مشهدًا مشحونًا بالفيتوهات… وفيلدرز واقف عند المفترق، يترصّد ما ستؤول إليه الأيام القادمة.


+ There are no comments
Add yours