بقلم : زكريا كرش
Zakarya karash
تتواصل حملات جماعة الحوثيين لغسل العقول والتعبئة، حيث انتقلت العروض الشعبية لما يسمونها “دورات التعبئة العامة” من مديرية المخادر إلى مديرية حبيش في محافظة إب، في مشهد يؤكد استراتيجية الجماعة لتعميق نفوذها. هذه العروض، التي شارك فيها الرجال والأطفال على حد سواء، شهدت استعراضاً للسلاح الخفيف والمتوسط، إلى جانب رفع الأعلام وشعار الجماعة.
في هذه المناسبات، تتكرر كلمات مثل “غزة” و”الأقصى” بشكل مكثف؛ إذ تمثل هذه القضايا المفتاح لاستغلال العاطفة الشعبية الجياشة. لكن الحقيقة تكمن في أن هذه العروض هي خاصة بالجماعة وخدمة لأجندتها الداخلية، وما اسم “غزة” إلا غطاء مخادع يخفون نواياهم التجنيدية والولائية تحته ويحققون غايتهم من خلاله.
مديرية حبيش، التي كانت بالماضي البعيد سدّاً منيعاً أمام كل التحديات، هذه المديرية التي لُقبت بـ “الثائرة الأولى” ضد الإمامة وانطلقت منها ثورة في بداية عهد الإمام يحيى، حبيش الغنجاء الشامخة، ها هي اليوم تخضع وتتغنى بأحفاد الإماميين وتشارك في عروضهم على غير عادتها.
هذا التغير السريع يطرح سؤالاً متكررًا متعدد الأبعاد: لماذا هذا التحول؟ هل يعود إلى الضغوط الهائلة والإكراه الذي يمارسه الحوثيون ضد الأهالي، أم أن الولاء لهم بات نابعاً عن قناعة حقيقية وتقبّل للأمر الواقع، أم أن العاطفة الدينية الجارفة طغت على الموقف فأنست الشعب خطورة الحوثيين وما يقومون به؟
وتشير الوقائع الأخيرة إلى أن الضغط لعب دوراً كبيراً؛ ففي شهر يوليو الماضي 2025، شنت جماعة الحوثيين في حبيش حملة اعتقالات واسعة بحق بعض أهالي المنطقة، من بينهم تربويون. هذا يفسر سبب التفاف بعض الأهالي حول الحوثيين وذلك خشية أن يأتي الدور عليهم، إذ يرمون بذلك إلى إرسال رسالة مفادها: “نحن معكم ولسنا ضدكم، فلا تعتقلونا”. هذا التظاهر بالولاء يُعد انعكاسًا لحالة اليأس وتغليب الدافع للبقاء على الموقف السياسي.
إن هذا النفوذ العميق الذي يضرب في صميم العقيدة والبنية الاجتماعية في محافظة إب، والذي يتجسد في عروض المخادر وحبيش، يتطلب تدخلاً عاجلاً وحاسماً. ينبغي على الحكومة الشرعية أن تدرك أن الكلفة الباهظة لتأخير المواجهة ليست عسكرية فحسب، بل هي حضارية؛ فالقناعات المغسولة اليوم تتحول غداً إلى إرث فكري يصعب اقتلاعه من جذور المجتمع اليمني.
لكن، بعد مرور عقد من الزمن على الانقلاب، يخشى المراقبون أن تكون هذه المناشدات قد فقدت جدواها؛ فالأمر أشبه بمحاولة إسماع من لا يسمع، وكما قيل: “لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي”.
من المخادر إلى حبيش… من هي المديرية التالية؟


+ There are no comments
Add yours