تقرير هيومن رايتس وواتش
منذ بدء النزاع في اليمن في العام 2014، ارتكب كل من الحوثيين والسلطات الأخرى في اليمن، ولا سيما “المجلس الانتقالي الجنوبي” والحكومة اليمنية، انتهاكات حقوقية جسيمة ضد الصحفيين. في العام 2015، عبّر زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي عن الموقف العدائي من الأطراف المتحاربة تجاه الصحفيين عندما أعلن في خطاب متلفز أن “المرتزقة والعملاء من فئة… فئة الإعلاميين أكثر خطرا على هذا البلد من الخونة والمرتزقة الأمنيين المقاتلين [التابعين للحكومة اليمنية]”.
وتشمل الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف النزاع الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، والقتل بحق الصحفيين. كما ارتكبت السلطات من أطراف النزاع جميعها انتهاكات أوسع ضد حرية التعبير والصحافة، بما يشمل الاستيلاء على المؤسسات الإعلامية والترهيب والمضايقة ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية وعرقلة حركة الصحفيين وعملهم.
وأدى استهداف الأطراف المتحاربة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى انتهاك حرية التعبير في اليمن، ويشمل ذلك الحصول على المعلومات. وقد فر العديد من الصحفيين من البلاد بسبب الانتهاكات التي تعرضوا لها، أو خوفهم من التعرض لانتهاكات من قبل الأطراف المتحاربة. أما أولئك الذين بقوا، فقد اضطروا في كثير من الأحيان إلى وضع قيود على كتاباتهم لتجنب استهدافهم من قبل السلطات.
مباشرة بعد سيطرتهم على صنعاء في العام 2014، بدأ الحوثيون حملة اعتقالات واسعة بحق الصحفيين والإعلاميين على أساس عملهم. ما يزال بعضهم مسجونا، ومنهم نبيل السداوي، الصحفي في وكالة الأنباء “سبأ” الذي اعتقله الحوثيون في سبتمبر/أيلول 2015. وقد احتُجز آخرون، مثل عبد الخالق عمران وتوفيق المنصوري وحارث حامد وأكرم الوليدي، تعسفا لمدة ثماني سنوات، حيث تعرضوا للتعذيب وحُكم عليهم بالإعدام قبل أن يُفرج عنهم في عملية تبادل أسرى العام 2023.
وقد ارتكبت أطراف أخرى متحاربة انتهاكات مماثلة. وفقا لـ “لجنة حماية الصحفيين”، في 18 فبراير/شباط 2021، اعتقلت قوات الأمن في محافظة حضرموت، التي تخضع لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، صحفيين عدة خلال الاحتجاجات، منهم هالة فؤاد باضاوي لمدة عام بتهمة وصفتها المنظمة بأنها “تهمة إرهاب ملفقة”.
كما اعتقل “المجلس الانتقالي الجنوبي”، وهو جماعة مدعومة من الإمارات وتسيطر على محافظات عدة في اليمن، بما في ذلك العاصمة المؤقتة عدن، صحفيين وإعلاميين طوال فترة النزاع، وواصل قمع المساحة المدنية في الأراضي الخاضعة لسيطرته.
وثّقت هيومن رايتس ووتش 14 حالة انتهاك ضد صحفيين يناقشها هذا التقرير، وتسلط الضوء في هذا التقرير على خمس حالات لصحفيين احتُجزوا تعسفا أو ما يزالون محتجزين من قبل الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023: ثلاث حالات من قبل الحوثيين، وحالتان من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي.
تحدث أربعة صحفيين سبق احتجازهم من قبل الأطراف المتحاربة وأُفرج عنهم لاحقا إلى هيومن رايتس ووتش عن تعرضهم لتعذيب شديد في السجن، بالإضافة إلى أشكال أخرى من سوء المعاملة. قالوا إنهم يعتقدون أن السلطات عاملتهم في السجن معاملة أكثر وحشية من معاملة المعتقلين الآخرين لتخويفهم، وتخويف الآخرين، من التغطية المستقلة لانتهاكاتها وسوء إدارتها وفسادها.
الصحفي من تعز محمد الصلاحي اعتقلته قوات الأمن الحوثية في الحديدة في 2018 ولم يطلق سراحه حتى 2023، بعد عامين من صدور أمر المحكمة بالإفراج. وقال لـ هيومن رايتس ووتش: “ضربوني [عناصر الأمن في السجون] بالكابلات، وصفعوني، وخنقوني، وعلّقوني لفترات طويلة، وحرموني من النوم والذهاب إلى المرحاض، ووجهوا مسدسا إلى رأسي ورقبتي، وهددوني بإعدام زملائي الصحفيين. تسبب ذلك في آثار صحية ما زلت أعاني منها”.
في بعض الحالات، احتجزت السلطات أفراد أسر الصحفيين إما بالإضافة إليهم أو بدلا منهم، غالبا لإجبار الصحفيين على “الاعتراف” بتهم ملفقة ضدهم، و/أو كوسيلة لمنعهم من القيام بعملهم.
مياس ماهر، شقيق أحمد ماهر، الصحفي الذي احتجزه المجلس الانتقالي الجنوبي في 2022، اعتُقل مع أحمد وظل محتجزا لعدة أشهر. صرح مياس أن السلطات احتجزته وعذبته للضغط على أحمد للاعتراف بكل ما تريده.
بالإضافة إلى مضايقة الصحفيين والإعلاميين واحتجازهم وإخفائهم، قُتل العديد من الصحفيين على مدار السنوات العشر الماضية في اليمن، وشمل ذلك اغتيالات محتملة على يد الأطراف المتحاربة. ومع ذلك، لم تجر تحقيقات كافية لتحديد الجناة في معظم الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش.
وفقا لـ “المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين” (صدى)، قُتل 63 صحفيا وإعلاميا في اليمن بين يناير/كانون الثاني 2015 وديسمبر/كانون الأول 2023. وثّقت لجنة حماية الصحفيين مقتل 26 صحفيا منذ بدء النزاع في سبتمبر/أيلول 2014، منهم صحفيان أكدت المنظمة قتلهما. قُتل صحفيون آخرون نتيجة تبادل إطلاق النار أو قيامهم بـ “مهمة خطرة”، أو كانت أسباب وفاتهم مجهولة. ويشمل ذلك ستة صحفيين على الأقل قُتلوا في غارات جوية شنها التحالف بقيادة السعودية والإمارات في بداية الحرب.
كما استولى الحوثيون والمجلس الانتقالي الجنوبي على عدة مؤسسات إعلامية كبرى في مختلف أنحاء البلاد وأغلقوها منذ بداية النزاع كوسيلة للحد من حرية التعبير. يوثق هذا التقرير أربعا من الحالات الأحدث في السنوات الأربع الماضية، حيث استولى الحوثيون والمجلس الانتقالي الجنوبي على مؤسسات إعلامية أو أغلقوها، ومنها “يمن لايف” للإنتاج الإعلامي والبث الفضائي و”يمن ديجيتال ميديا”؛ و”صوت اليمن”؛ ووكالة الأنباء سبأ؛ ونقابة الصحفيين اليمنيين.
في الشمال، بدأ الحوثيون بالاستيلاء على المؤسسات الإعلامية فور سيطرتهم على صنعاء. بين 2014 و2024، داهموا المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة جميعها تقريبا واستولوا عليها، ومنها صحيفة “الثورة”، ووكالة سبأ، ومكتب “قناة الجزيرة” في صنعاء، ومكتب صحيفة “المصدر”. وفي كثير من الحالات، صادر الحوثيون معدات المؤسسات الإعلامية ومقراتها، واحتجزوا موظفيها وأخفوهم قسرا، واستبدلوا الموظفين بصحفيين وموظفين موالين للحوثيين. وفي بعض الحالات، واصل الحوثيون إدارة المؤسسات الرسمية منذ استيلائهم عليها، مثل وكالة سبأ وصحيفة “الثورة”، واستخدموها كوسائل إعلامية رسمية لهم.
في الجنوب، تقلصت حرية التعبير بشكل مطرد على مدى السنوات الأربع الماضية، لا سيما أن المجلس الانتقالي الجنوبي استولى أيضا على المؤسسات الإعلامية اليمنية واستبدلها بمؤسسات “جنوبية” حديثة الإنشاء، كما استبدل الموظفين السابقين بأشخاص تابعين للمجلس الانتقالي الجنوبي و/أو مؤيدين له.
قال محمود ثابت، رئيس نقابة الصحفيين اليمنيين في عدن – وهي مؤسسة استولى المجلس الانتقالي الجنوبي على مكتبها في عدن – لـ هيومن رايتس ووتش إن النقابة تقوم الآن بعملها “بسرية، لأننا خائفون من الانتهاكات التي قد ترتكب ضد أعضائنا”.
بالإضافة إلى التعرض للاعتقالات التعسفية والاعتداءات، وصف الصحفيون استخدام السلطات التهديد بالاعتقال بأساليب تشمل أوامر قضائية لا أساس لها، كإحدى الطرق العديدة التي سعت بها السلطات إلى إسكاتهم. قال رئيس صدى يوسف حازب إن المنظمة وثّقت أكثر من 24 حالة في العامين الماضيين حيث تضمنت لوائح الاتهام الرسمية بشكل صريح الصحافة أساسا للتهم. ومن هؤلاء الصحفيين مقدمة البرامج التلفزيونية منى المجيدي، التي تلقت استدعاء قانونيا من سلطات المجلس الانتقالي الجنوبي في 2023 بعد أن انتقدت أحد مسؤولي المجلس في عدن، وفقا لنقابة الصحفيين اليمنيين.
وأفاد “مرصد الحريات الإعلامية (مرصدك)” في تقريره عن حرية الإعلام للعام 2024 أن 15 صحفيا اعتقلوا بسبب عملهم الإعلامي خلال العام، وما يزال بعضهم قيد الاحتجاز. ومن بين هؤلاء، اعتقل سبعة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وثمانية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي.
وأضاف عضو مجلس نقابة الصحفيين اليمنيين نبيل الأُسَيدي أن “مساحة الحرية [الصحفية] تتقلص”. وقال إن السلطات تراقب الصحفيين، وإن الصحفيين قد يتم اعتقالهم في أي لحظة لأسباب تافهة مثل منشور على وسائل التواصل الاجتماعي ينتقد سلطة ما.
وروى الصحفيون أيضا كيف تقيّد حريتهم في التنقل بسبب خوفهم من الاعتقال من قبل السلطات عند نقاط التفتيش وفي المطارات. وأفاد العديد منهم أيضا أن أفراد أسرهم يتعرضون للتهديدات.
قال العديد من الصحفيين الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش إن أحد أكبر التحديات التي يواجهونها في اليمن هو السفر – خاصة بين المحافظات، وكذلك إلى الخارج – بسبب خطر تعرضهم للتوقيف عند نقاط التفتيش أو من قبل مسؤولي المطارات والمضايقة أو الاعتقال أو الإخفاء بسبب عملهم كصحفيين. ووصف العديد منهم أنهم يعملون تحت أسماء مستعارة، أو يغيرون جوانب من طريقة عملهم، خوفا من اعتقالهم أو قتلهم من قبل السلطات. وقال آخرون إنهم انتقلوا إلى الخارج بسبب تهديدات بالاعتقال تلقوها من السلطات في اليمن.
قالت الصحفية المستقلة في عدن لبنى صادق (اسم مستعار) إنها حاولت إخفاء هويتها كصحفية عند المرور عبر نقاط التفتيش خوفا من رد فعل العناصر إذا اكتشفوا أنها صحفية. وقالت: “حتى في جواز سفري، نصحني زملائي بكتابة مهنتي على أنها ‘طالبة’ لتجنب الوقوع في مشاكل عند نقاط التفتيش”.
كما عرقلت السلطات في جميع أنحاء البلاد عمل الصحفيين والمؤسسات الإعلامية من خلال فرض لوائح تعسفية ومرهقة، غالبا ما تميز ضد أولئك الذين ينتمون إلى مناطق تسيطر عليها أطراف متحاربة أخرى أو ضد أولئك الذين لا ينشطون في دعم السلطة المسؤولة. أفاد الصحفيون بأنهم يخضعون للمراقبة من قبل السلطات، ويُلزَمون بتقديم طلبات للحصول على أذونات وتصاريح أمنية لمجموعة واسعة من الأنشطة، ويُمنَعون تعسفا من حضور أحداث معينة أو تغطيتها.
تقع على عاتق السلطات في اليمن، بما فيها الحكومة اليمنية والحوثيون والمجلس الانتقالي الجنوبي، التزامات بموجب القوانين الدولية والمحلية لحماية حرية التعبير، بما في ذلك الصحافة. وبموجب القانونين الدولي والوطني، لا يجوز لها أيضا احتجاز الأشخاص تعسفا أو إخفاؤهم قسرا أو تعذيبهم أو قتلهم.


+ There are no comments
Add yours