في خطوة وصفت بالأكثر تشددا في أوروبا، تستعد الحكومة الهولندية لتطبيق قانون التنفيذ والتطبيق لاتفاقية الهجرة واللجوء الأوروبية بحلول منتصف عام 2026، بهدف إصلاح إجراءات اللجوء المتعثرة وتسريع البت في الطلبات، غير أن جلسة استماع عقدها مجلس النواب الهولندي كشفت عن مخاوف جدية لدى مؤسسات معنية باللجوء والقضاء من تبعات بعض الخيارات السياسية الهولندية التي تتجاوز المتطلبات الأوروبية.
جاءت الجلسة التي جمعت مسؤولين من دائرة الهجرة والجوء وهيئة استقبال طالبي اللجوء ومجلس القضاء الهولندي ومنظمة عمل اللاجئين إلى جانب أعضاء البرلمان، لتسلط الضوء على إشكاليات قانونية وإنسانية وتنفيذية تثيرها التعديلات الجديدة التي تهدف لجعل هولندا صاحبة أكثر سياسات الهجرة تشددا في القارة العجوز.
تسريع الإجراءات بين المرونة المطلوبة والدقة المطلوبة
أكدت دائرة الهجرة والجوء أن القانون الجديد سيمكنها من تبسيط الإجراءات عبر إلغاء مقابلة التسجيل الإلزامية، ومنح مرونة أكبر للتعامل مع كل حالة على حدة بدلا من الالتزام بإجراءات جامدة تطبق على الجميع، بهدف تقليص فترات الانتظار التي تمتد لسنوات وتتسبب في معاناة آلاف اللاجئين.
وشدد مسؤولو الدائرة على أن الجودة والمرونة سيبقيان أساسيين في عملية اتخاذ القرارات، مشيرين إلى أن بعض الحالات قد تتطلب مقابلة واحدة فقط بينما قد تحتاج حالات أخرى إلى مقابلات متعددة لضمان اتخاذ القرار المناسب، مع الإبقاء على حق المحامين في تقديم تصحيحات وإضافات على محاضر المقابلات.
احتجاز الأطفال يثير عاصفة من الانتقادات
في قلب الجدل الدائر، أثارت خطط الحكومة لاحتجاز الأطفال على الحدود في مطار سخيبول أثناء النظر في طلبات لجوئهم موجة انتقادات واسعة من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية، حيث اعتبرت منظمة عمل اللاجئين أن هذه الممارسة تشكل انتهاجا صارخا لحقوق الطفل وتتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها هولندا.
وشددت المنظمة على أن احتجاز الأطفال ليس إلزاميا بموجب الاتفاق الأوروبي، بل هو خيار سياسي هولندي يمكن الاستغناء عنه ببدائل عملية مثل فرض التوقيع الدوري أو إجراءات الرقابة الأخرى التي لا تنتهك حقوق الطفل الأساسية، محذرة من الآثار النفسية والصحية الخطيرة التي قد يتسبب بها الاحتجاز على الأطفال.
القضاء الهولندي يحذر من انهيار المنظومة
في تحذير غير مسبوق، أعرب مجلس القضاء الهولندي عن مخاوف جدية من تدفق ما يقدر بنحو 19 ألف قضية إضافية سنويا بحلول عام 2028، نتيجة النظام القانوني الجديد وإلغاء بعض الإجراءات التمهيدية التي كانت تمنع وصول العديد من القضايا إلى المحاكم.
وأوضح المجلس أن إلغاء إجراء الإبلاغ المسبق الذي كان يمكن دائرة الهجرة من تصحيح أخطائها قبل وصول القضايا إلى القضاء، سيفتح الباب أمام تدفق كبير للقضايا، خاصة مع اعتماد نظام الوضعين الجديد الذي سيدفع حاملي وضع الحماية الثانوية للطعن في قراراتهم سعيا للحصول على وضع لاجئ كامل يتيح لهم حقوقا أوسع في لم شمل العائلات.
وحذر المجلس من أن تدريب القاضي الجديد يستغرق عامين على الأقل، مما يعني أن العبء الإضافي سيؤدي حتما إلى إطالة فترات التقاضي والتأثير على قطاعات قضائية أخرى مثل قضاء الأسرة والأحداث التي ستعاني من نقص في الموارد البشرية نتيجة تحويل القضاة للتعامل مع قضايا اللجوء المتزايدة.
أزمة الاستقبال تتفاقم والحلول بعيدة
رسمت هيئة استقبال طالبي اللجوء صورة قاتمة للأوضاع الحالية في مراكز الإيواء، حيث تعاني من نقص حاد في المواقع الثابتة واضطرارها لإغلاق العشرات منها سنويا، ما يسبب تنقلات متكررة للمقيمين ويزيد حالة عدم اليقين التي وصفها مسؤولو الهيئة بأنها العدو الأكبر لاستقرار مراكز الاستقبال.
وأكدت الهيئة أن نجاح القانون الجديد يتطلب أولا توفير تمويل مستقر ومواقع إيواء دائمة، وتنفيذا فعالا لقانون توزيع اللاجئين على البلديات، مشيرة إلى أن الاضطرار لإغلاق 72 موقعا خلال العام الماضي وحده يظهر حجم الأزمة الهيكلية التي تعاني منها منظومة الاستقبال في هولندا.
الطلبات القديمة في منطقة رمادية
في تطور يزيد معاناة آلاف اللاجئين، أقرت دائرة الهجرة بأن الأولوية بعد تطبيق القانون ستكون للطلبات الجديدة للوفاء بالمواعيد الأوروبية الملزمة، ما يعني أن أكثر من 50 ألف طلب لجوء قديم ومثلها من طلبات لم شمل العائلات ستبقى في الانتظار لفترة أطول، مما يطيل معاناة آلاف الأشخاص الذين علقوا في منطقة رمادية منذ سنوات.
ودعت كل من هيئة استقبال طالبي اللجوء ومنظمة عمل اللاجئين إلى ضرورة إيجاد حلول لهذه الفئة العالقة، وتطبيق الإجراءات السريعة الجديدة عليهم أيضا لمنحهم اليقين الذي طال انتظاره وإنهاء معاناتهم الإنسانية.
خيارات سياسية تتجاوز المتطلبات الأوروبية
أثارت منظمة عمل اللاجئين قضية جوهرية في النقاش، مؤكدة أن العديد من التعديلات التي تتبناها الحكومة الهولندية تتجاوز المتطلبات الأوروبية، مشيرة إلى أن قرارات مثل إلغاء تصريح الإقامة غير محددة المدة واعتماد نظام الوضعين للاجئين الذي يحد من حقوق لم شمل العائلات لحاملي الحماية الثانوية، هي خيارات سياسية هولندية وليست إلزامية بموجب الاتفاق الأوروبي.
ودعت المنظمة البرلمان الهولندي إلى مراجعة هذه الخيارات في ضوء تأثيراتها الإنسانية والقانونية، والاستماع لتوصيات الهيئات الاستشارية الرئيسية كمجلس الدولة ومجلس الهجرة الاستشاري التي حذرت من تداعيات هذه السياسات.
موازنة مستحيلة بين الصرامة والحقوق
ويبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هولندا قادرة على الموازنة بين تنفيذ سياساتها الصارمة والحفاظ على معايير حقوق الإنسان وكفاءة مؤسساتها، في وقت تبدو فيه التحديات أكبر من أن تحلها مجرد تعديلات تشريعية، ومع اقتراب موعد التطبيق في يونيو 2026، تتزايد الضغوط على الحكومة لتقديم إجابات واضحة حول كيفية التعامل مع هذه الإشكاليات المتشابكة التي تمس حياة آلاف البشر ومستقبل سياسة الهجرة في البلاد.


+ There are no comments
Add yours