من زحل إلى المشتري مروراً بابن فان دايك: سيرة لاجئ يعاني من عقدة الخواجة

مقال رأي :عبدالله العلي

في الثقافة المصرية يُستخدم مصطلح «عقدة الخواجة» لوصف حالة يرى فيها الإنسان أن الأجنبي أفضل منه تلقائياً وأكثر استحقاقاً، وهي حالة لم تبق حبيسة المكان بل رافقت بعض اللاجئين العرب والمسلمين وحتى غير العرب والمسلمين إلى هولندا، حيث ظهرت بصيغ جديدة تحت لافتة الاندماج بينما جوهرها في الحقيقة تنكّر للذات وجلد جماعي للنفس.

نعم، لدينا أخطاء ولسنا ملائكة، لكن المشكلة لا تبدأ عند الاعتراف بالخطأ بل حين يتحول أي تصرّف فردي من عربي إلى محاكمة شاملة لهوية كاملة، وكأن الخطأ لا يُغتفر إلا إذا صدر من أبناء جلدتنا، بينما يُنظر إلى الفعل ذاته إذا صدر من الهولندي بوصفه تصرفاً فردياً لا يستحق التعميم ولا التشهير.

في تلك اللحظة يظهر اللاجئ الذي يتحدث وكأنه لم يأتِ من نفس الأرض ولا عاش التجربة نفسها، وكأنه هبط فجأة من زحل، يجلد الجميع ليستثني نفسه، ويتبرأ من سياقه الاجتماعي وكأن هذا التبرؤ يمنحه مرتبة أخلاقية أعلى أو صك اندماج أسرع و لا يرى نفسه جزءاً من المشكلة ولا من الحل، بل مراقباً متفوقاً يقف خارج المشهد، رغم أنه عاش التفاصيل ذاتها وخاض القلق نفسه وانتظر القرار نفسه.

ثم ننتقل إلى مرحلة أخرى من السيرة، حيث يحصل البعض على الإقامة فيقرر قطع كل صلة بالعرب، لا صداقات ولا لغة ولا تواصل ، ولا خلاف هنا على أن اختيار الدائرة الاجتماعية أو قطع العلاقات مسألة حرية شخصية كاملة لا يملك أحد الوصاية عليها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُبرَّر هذا الاختيار عبر شيطنة الآخرين، حين يقول أحدهم إنه لا يريد التواصل مع العرب لأن “العرب سيئون” أو “العرب مشاكل”، بينما ينزّه نفسه من هذا الوصف، هنا لا نتحدث عن حرية شخصية بل عن تناقض صارخ؛ فهو عربي حين يتعلق الأمر بالحقوق والهوية القانونية، لكنه يصبح استثناءً حين يتعلق الأمر بالعيوب، وكأن الخطأ جماعي لا يشمله، وكأن التجربة الإنسانية تُقسَّم إلى فئتين: هو ومن يشبهه، والبقية الذين يستحقون الإدانة. هذا المنطق لا يعكس وعياً ولا نضجاً، بل إعادة إنتاج لعقدة الخواجة بصيغة جديدة.

الذروة تظهر عند من يحصل على الجنسية، فيبدأ الحديث وكأنه ابن فان دايك، يتبنى خطاب اليمين المتطرف، يهاجم اللاجئين، ويكرر أن هولندا ممتلئة وأن القادمين الجدد عالة على المجتمع ، يتحدث بثقة عن النظام والقانون والنقاء الاجتماعي، متناسياً أنه بالأمس القريب كان ينتظر قرار إقامة أو يخشى رسالة من البريد أو يعمل خارج إطار القانون أو يروي قصة لجوء كان يتمنى أن تُصدَّق، في هذه اللحظة لا يكون ما نراه اندماجاً بل محاولة لإعادة كتابة السيرة الشخصية عبر مهاجمة من يشبهه.

وفي هذا السياق يظهر نمط أكثر إرباكاً، أولئك الذين لا يكتفون صًبمهاجمة اللاجئين بل يتزلفون لبعض الهولنديين من اليمين المتطرف، يزايدون في الخطاب ويبالغون في الإدانة ظناً أن ذلك سيمنحهم قبولاً خاصاً أو احتراماً إضافياً. المفارقة أن هذا اليميني المتطرف لا ينظر إليهم إلا كأحد “هؤلاء”، لا يفرّق بينهم وبين غيرهم، بل قد لا يحترمهم أصلاً لأن التزلف في نظره ضعف لا اندماج، وتخلٍّ عن الذات لا دليل انتماء.

هذا السلوك لا يعكس وعياً سياسياً ولا ثقة بالنفس، بل إسقاطاً نفسياً واضحاً، فالهروب من الماضي لا يتم بمواجهته بل بإنكاره، والتماهي مع خطاب الإقصاء لا يمنح حماية حقيقية بل يمنح شعوراً مؤقتاً بالتفوّق، الواقع في هولندا وأوروبا أوضح من كل هذه الأوهام، فاليمين المتطرف لا يفرّق طويلاً بين لاجئ جديد ولا لاجئ قديم ولا بين من تنكّر لانتمائه ومن تمسّك به، وفي نظره الجميع دخلاء وعالة يجب التخلص منهم، حتى أولئك الذين يهاجمون أبناء جلدتهم دفاعاً عنه. قد يُصفّق لك اليوم لأنك تردد خطابه، لكنه سيضعك غداً في الخانة نفسها عند أول أزمة سياسية أو حملة انتخابية أو تشديد قوانين، لأنك في قاموسه استثناء مؤقت لا أكثر.

الاندماج الحقيقي لا يُبنى على كره الذات ولا على سحق الآخرين لإثبات أنك أفضل، بل على احترام القانون والعمل والتعلّم والنقد المسؤول من دون تعميم ومن دون خيانة للسياق الإنساني المشترك ، وكما جاء كل لاجئ بحثاً عن حياة كريمة وأمان وفرصة عادلة، جاء غيره بالحلم ذاته، ولا معنى لأن تطالب بالإنصاف لنفسك بينما تنكره على الآخرين.

قد تكون هذه النماذج قليلة، لكنها مؤذية وصوتها أعلى من حجمها، والخروج من عقدة الخواجة ليس ترفاً فكرياً بل شرط أساسي للاندماج الحقيقي، لأن من لا يحترم نفسه لن يفرض احترامه على أحد

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours