اليمن بين معادلة القوة واستحقاقات الدولة: لماذا يتعثر الحسم؟

لا يمكن فهم المشهد اليمني الراهن من خلال ميزان القوة العسكرية فقط، فالصراع أصبح نتاجًا لتداخل معقد بين عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية وإقليمية، جعلت من اليمن ساحة تتقاطع فيها حسابات الأطراف المحلية مع مصالح القوى الإقليمية والدولية. ولهذا فإن أي قراءة للمشهد تتطلب الابتعاد عن العواطف والاقتراب من منطق المصالح وحسابات الواقع.

تبدو جماعة الحوثي في المرحلة الحالية وكأنها تمتلك عددًا من أوراق القوة التي تمنحها قدرة على المناورة والاستمرار في إدارة الصراع، مستفيدة من إدراكها لطبيعة التحولات الإقليمية، وفي مقدمتها توجه المملكة العربية السعودية نحو تجنب الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة وطويلة الأمد. ويأتي ذلك في ظل اعتبارات مرتبطة بأمن المنطقة، والاستقرار الاقتصادي، والحفاظ على مسار سياسي يقلل من احتمالات توسع دائرة الصراع الإقليمي، خاصة في ظل حساسية العلاقة مع إيران وتشابك الملفات الأمنية في المنطقة.

وفي المقابل، تواجه الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا تحديات كبيرة لا ترتبط فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضًا بتعدد مراكز النفوذ، والتباينات السياسية داخل معسكرها، وضعف بعض مؤسسات الدولة، وهي عوامل أثرت على قدرتها على خوض مواجهة شاملة أو فرض واقع جديد بمعزل عن دعم إقليمي ودولي واسع. لذلك يبقى أي تحرك استراتيجي مرتبطًا بمدى وجود توافق سياسي وعسكري يضمن وحدة القرار وفاعلية المؤسسات.

كما أن استمرار حالة الجمود لا يمكن تفسيره فقط بقدرات الحوثيين العسكرية، بل يرتبط أيضًا بطبيعة الصراع نفسه، وبغياب مشروع وطني جامع قادر على تجاوز الانقسامات الداخلية، إضافة إلى استمرار تأثير القوى الإقليمية التي ترى في الملف اليمني جزءًا من حسابات أوسع تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.

ومن زاوية أخرى، فإن أحد أبرز الملفات التي تعيق الوصول إلى تسوية مستدامة يتمثل في قضية السلاح وشكل الدولة. فحصر السلاح بيد الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا يمثل مطلبًا أساسيًا لدى القوى الداعمة للدولة ومؤسساتها، في حين ترى قراءات سياسية أن جماعة الحوثي، بحكم بنيتها السياسية والعسكرية والدينية العقدية، ما زالت تنظر إلى القوة المسلحة باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في مشروعها السياسي وأداة للحفاظ على نفوذها، وهو ما يجعل الوصول إلى صيغة توافقية حول مستقبل الدولة والأمن تحديًا بالغ التعقيد.

وفي المحصلة، فإن مستقبل الأزمة اليمنية سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية واقعية تحفظ للدولة مؤسساتها وتضع حدًا لتعدد مراكز القوة. وبينما تبقى احتمالات التصعيد أو التهدئة قائمة، فإن أي تحول كبير لن يكون مرتبطًا فقط بما يحدث في ساحات المواجهة، بل أيضًا بالتغيرات في المشهد الإقليمي والدولي، وبمدى استعداد الأطراف اليمنية لتقديم تنازلات تفتح الطريق أمام بناء دولة مستقرة تستوعب الجميع تحت إطار سياسي وقانوني واحد.
الناشط السياسي/ عمــار علي قُــران

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط، وليس بالضرورة عن رأي موقع هولندا عربية.**نرحب بجميع الأقلام والأراء … هل لديك رأي أو تجربة تود مشاركتها؟ أرسل مقالك إلينا*

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours