منذ دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026، يعيش آلاف اللاجئين والمهاجرين في هولندا حالة من الترقب والقلق، خصوصاً أولئك الذين قدموا طلباتهم قبل هذا التاريخ ولم يحصلوا على قرار نهائي بعد.
وخلال الساعات الماضية بدأت تظهر أولى القرارات الصادرة عن دائرة الهجرة والتجنيس (IND)، والتي كشفت أن الدائرة بدأت فعلياً بتطبيق القوانين الجديدة على بعض الملفات التي كانت ما تزال قيد الدراسة عند دخول الميثاق الأوروبي حيز التنفيذ.
ففي إحدى القضايا التي تم تداولها، تقدم صاحب الملف بطلب الحصول على إقامة اللجوء الدائمة في مايو 2026، أي قبل دخول الميثاق الأوروبي، إلا أن IND أصدرت قرارها بعد 12 يونيو ورفضت منحه إقامة اللجوء الدائمة، معللة ذلك بأن هذا النوع من الإقامات لم يعد موجوداً بعد دخول القوانين الجديدة حيز التنفيذ، وقامت بدلاً من ذلك بمنحه تمديداً لإقامة اللجوء لمدة ثلاث سنوات.
هذه القرارات أثارت نقاشاً واسعاً بين اللاجئين والمحامين والمتابعين للشأن القانوني، لكن من المهم التأكيد أن ما نشهده اليوم هو موقف IND الإداري، وليس الكلمة القانونية الأخيرة في هذا الملف.
فالمعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
المرحلة القادمة ستكون مرحلة الاعتراضات والطعون القضائية. فعدد من أصحاب الملفات الذين قدموا طلباتهم قبل 12 يونيو قد يلجؤون إلى المحاكم للطعن في قرارات IND، مستندين إلى مبادئ قانونية معروفة مثل اليقين القانوني والثقة المشروعة والقانون الانتقالي.
وتزداد أهمية هذه القضايا في ظل ما نشرته السلطة القضائية الهولندية (Rechtspraak)، والتي أوضحت أن الأشخاص الذين قدموا طلباتهم قبل 12 يونيو 2026 ثم دخلوا في نزاع قانوني مع IND، فإن قضاياهم ستتم معالجتها “في معظم الحالات” وفق القانون القديم.
هذه العبارة وحدها كافية لتوضيح أن الملف لم يُحسم بعد، وأن المحاكم ستكون مطالبة خلال الفترة القادمة بالإجابة على أسئلة قانونية معقدة تتعلق بحدود تطبيق الأثر الفوري للقانون الجديد على الطلبات التي قُدمت في ظل النظام السابق.
كما أن القضية لا تقتصر على طلبات الإقامة الدائمة فقط، بل تمتد إلى ملفات أخرى مثل بعض طلبات لم الشمل وبعض طلبات الإقامة التي كانت قيد الدراسة قبل 12 يونيو 2026.
ومن المتوقع أن تبدأ المحاكم الابتدائية خلال الفترة القادمة بإصدار أولى الأحكام في هذه الملفات. لكن حتى تلك الأحكام لن تكون بالضرورة نهاية الطريق.
فإذا حكمت المحكمة لصالح أحد المتقدمين، قد تقبل IND الحكم وتنفذه، أو قد تختار الطعن فيه أمام مجلس الدولة الهولندي (Raad van State)، وهو أعلى جهة قضائية إدارية في هولندا.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة.
فالكلمة النهائية في القضايا الكبرى ذات الطابع المبدئي غالباً ما تصدر عن مجلس الدولة، وليس عن المحكمة الابتدائية.
واللافت أن مجلس الدولة نفسه كان قد أبدى سابقاً ملاحظات وانتقادات قانونية على مشروع إلغاء إقامة اللجوء الدائمة، وتساءل عن جدوى هذا الإجراء، كما ناقش آثار تطبيق القوانين الجديدة والانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد. ولهذا فإن كثيراً من المختصين يعتقدون أن مجلس الدولة قد يكون صاحب الدور الحاسم في رسم الحدود القانونية النهائية لهذه الملفات.
ولهذا السبب فإن من الخطأ الاعتقاد أن ظهور أول قرار من IND يعني أن القضية قد انتهت، كما أنه من الخطأ الاعتقاد أن أي حكم أولي من محكمة ما سيكون نهاية المطاف.
فنحن ما زلنا في بداية مسار قانوني قد يستمر أشهراً وربما سنوات، قبل أن تتضح الصورة بشكل نهائي.
كما يجب الحذر من الكم الكبير من المعلومات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي. فالكثير مما يُنشر اليوم عبارة عن تحليلات واجتهادات شخصية، بعضها يستند إلى معلومات صحيحة، وبعضها الآخر يخلط بين الرأي والخبر والتوقع.
ولهذا فإن النصيحة الأهم لأصحاب الملفات هي عدم بناء قراراتهم أو توقعاتهم على منشورات فيسبوك أو مجموعات واتساب أو مقاطع تيك توك، بل متابعة التطورات القانونية من مصادرها الرسمية والاستعانة بمحامٍ مختص يعرف تفاصيل الملف وظروفه الخاصة.
أما اليوم، فما زلنا في مرحلة الانتظار. انتظار القرارات، وانتظار الأحكام، وانتظار ما ستقوله المحاكم الهولندية، ثم ربما مجلس الدولة لاحقًا، في واحدة من أهم القضايا القانونية التي ستواجه نظام اللجوء الهولندي بعد دخول الميثاق الأوروبي حيز التنفيذ.


+ There are no comments
Add yours