عزيزي القارئ الهولندي،
ربما سمعت من إعلام الأطراف المتنازعة أن كل طرف يقول إنه على حق، وربما سمعت من الإعلام الهولندي أو الأوروبي خبراً سريعاً لا يتعدى بضع جمل عن وجود صراع في اليمن. لكن دعني أروي لك القصة كما هي، كما لا يجرؤ أحد أن يرويها لك. دعني آخذك إلى عمق هذا الجحيم الإنساني، لنكشف ما وراء الخرائط الملونة والتقارير المختصرة، لنريك كيف أصبح اليمن مسرحًا لصراعات إقليمية بلا هوادة، وكيف يُدفع المواطن اليمني الثمن الأكبر.
ربما سمعت يوم أمس عن توتر جديد أو صراع صامت في حضرموت بين السعودية والإمارات، وربما ظننت أنه خلاف سياسي عابر، لكنه في الواقع صراع عنيف على تقاسم النفوذ والموانئ والموارد. اليمن اليوم ليس مجرد حرب أهلية، بل أرض مستباحة، يتحكم فيها وكلاء محليون لصالح دول إقليمية، من إيران والسعودية والإمارات إلى قطر وعُمان، كلٌ حسب مصالحه وقوة نفوذه، فيما المدنيون هم الخاسر الأكبر.
في شمال اليمن، يسيطر الحوثيون المدعومون من إيران، وقد تجاوزت ممارساتهم حدود الحرب لتصل إلى سيطرة كاملة على المجتمع المدني، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، الإخفاء القسري، التعذيب، وتجريم أي اختلاف سياسي أو فكري. آلاف المدنيين اختفوا دون أثر، والآلاف الآخرون يعيشون تحت تهديد دائم لمجرد التعبير عن رأي مخالف.
أما في الجنوب، فالصور لا تقل سوداوية. الإمارات تدعم قوات مثل المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات طارق صالح، وهي مليشيات تمارس انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، تشمل السجون السرية، التعذيب، الإخفاء القسري، والقتل خارج القانون. كل محاولة للمعارضة أو رفض الانضمام لهذه المليشيات تنتهي بالاعتقال أو الخطف أو القتل، والضحايا هم السكان العاديون، الأبرياء الذين لا علاقة لهم بالصراع السياسي.
في حين، الصراع داخل الحكومة اليمنية “الشرعية” لا يقل سوءًا، حيث تدور معركة مستمرة بين حزب المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح، وكل منهما أسس شبكات ولائية قبلية وعسكرية في الساحل الغربي ومأرب وتعز، تُباع الولاءات فيها بالمال أو النفوذ السياسي. قيادات هذه الأحزاب، بما في ذلك الرئيس السابق علي عبد الله صالح وعائلته من جهة، ورئيس مجلس النواب السابق عبدالله بن حسين الأحمر وعائلته من جهة أخرى، تورطوا في فساد منهجي ونهب الموارد العامة، مما أضعف الدولة وأدى إلى انهيار مؤسساتها. الجيش الوطني في هذه المناطق أصبح مجرد تحالفات قبلية ومليشيات ولائية تخضع للقيادات السياسية، وغالبًا ما ترتكب انتهاكات بحق المدنيين، من اعتقالات تعسفية وقتل خارج إطار القانون ونهب موارد عامة. المدني الذي يحاول مقاومة هذه الشبكات يواجه العنف مباشرة، فيصبح اليمنيون محاصرين بين ولاءات حزبية مشوهة وقوى إقليمية تسعى لتوظيفهم كأدوات للصراع.
قطر وسلطنة عُمان لهما أدوار مختلفة في تغذية الصراع. قطر تدعم شبكات مرتبطة بالإخوان المسلمين في مأرب والمناطق المحيطة، ما زاد الانقسامات الاجتماعية والإيديولوجية، فيما عُمان تحافظ على نفوذها في المهرة وشرق اليمن عبر الطرق القبلية والاتفاقات الاقتصادية، تاركة السكان يعيشون في خوف مستمر من العنف والفقر.
اليوم، في حضرموت والمهرة، حيث أُعلن من قبل بعض التقارير الأوروبية والهولندية أنها مناطق “آمنة”، تكشف الوقائع أن الواقع أكثر سوداوية. السعودية تسعى للحفاظ على نفوذها في هذه المحافظات الغنية بالموارد، بينما الإمارات تعتبرها جزءًا من خريطة نفوذها المطلوب توسيعها على السواحل الجنوبية والشرقية. التنافس بينهما ليس على البيانات أو الصور الإعلامية، بل على السيطرة على الموانئ والموارد، وسط تدمير مباشر لحياة المدنيين. وما يحدث هناك اليوم، في نهاية ديسمبر 2025، هو تصعيد دموي جديد بين وكلاء الإمارات والسعودية، يخسر فيه المواطن اليمني كل شيء: نساء يبكين أبنائهن، أطفال يبحثون عن الطعام، أسر مشردة بلا مأوى أو أمل.
في ظل هذا الواقع المأساوي، يأتي تقييم وزارة اللجوء والهجرة الهولندية ليضع اليمنيين في حلقة مفرغة من المعاناة. التقرير الذي يصدرونه يعتمد على خرائط قديمة ومعلومات رسمية لا تعكس الحقيقة على الأرض، مصنفًا حضرموت والمهرة كمناطق “آمنة”، بينما المدنيون هناك يعيشون تحت تهديد يومي من القتل، القصف، الاعتقالات، والجوع. هذا التقييم السياسي لا يأخذ في الحسبان التدمير المستمر للبنية التحتية، الفساد المستشري، الانتهاكات اليومية، والصراع الإقليمي المباشر على الأرض، ويؤدي إلى رفض طلبات اللجوء لأشخاص فرّوا من الموت، ليعودوا إلى مناطق لا أمان فيها، ولا خدمات، ولا مستقبل.
اللاجئون اليمنيون في هولندا يعيشون معاناة أخرى، بعيدًا عن القصف، لكن وسط انتظار طويل ومجهول لقرارات IND. المراكز الرسمية التي يفترض أن توفر الحماية تتحول إلى سجون ناعمة، حيث يمتد الانتظار لشهور وأحيانًا سنوات، مع قلة الدعم النفسي والاجتماعي، وعزلة ثقافية كاملة. الأطفال والنساء يعانون من اضطرابات نفسية حادة، اكتئاب، القلق المزمن، واضطراب ما بعد الصدمة، بينما الكبار يحاولون حماية أسرهم دون أي ضمان لمستقبل آمن. رفض طلب اللجوء بسبب اعتبارات سياسية أو تقييمات مغلوطة يضيف إلى جحيمهم عبء اليأس، ويفقدهم الأمل بأن العالم سيحميهم من الموت أو القمع الذي فروا منه.
اليمنيون لم يفرّوا بحثًا عن الرفاهية، بل فرّوا بحثًا عن أبسط حق إنساني: حق الحياة بكرامة. إيصال صوتهم إلى أوروبا ليس مجرد تضامن، بل واجب إنساني. لأن وراء كل قرار رفض طلب لجوء هناك إنسان قد يعود إلى نار لا تُطفأ بسهولة، إلى مأساة تمتد منذ 2015، وما زالت مستمرة دون أي مؤشر للانتهاء.
اليمن اليوم هو حرب بلا نهاية، دمار ممتد يقوض المجتمع، وصمت دولي يفاقم الألم. وهذا الصوت، يا قارئي الهولندي، أنت مدعو لنقله، ليس كخبر عاجل في نشرة أخبار، بل كصرخة إنسانية تُسمع وتُفهم وتُؤخذ على محمل الجد في كل قرار يُتخذ بشأن مصير أولئك الذين فرّوا من هذا الجحيم.


+ There are no comments
Add yours