دخل مجلس الشيوخ الهولندي مرحلة جديدة من التفتت السياسي، بعدما ارتفع عدد الكتل الممثلة فيه إلى 19 كتلة للمرة الأولى في تاريخه، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد على جهود تشكيل الحكومة الجديدة، ويُلزم أيّ ائتلاف قادم بالبحث عن دعم واسع خارج حدود الأغلبية التقليدية في مجلس النواب.
وجاء هذا الارتفاع في عدد الكتل بعد انتقال عضوة مجلس الشيوخ عن حزب JA21 أنابيل نانينخا إلى مجلس النواب، ليحلّ مكانها توين بوكيرينغ الذي لم يعد عضواً في الحزب، ما أدى إلى تشكيل كتلة جديدة مستقلة. كما شهد المجلس خلال الأسابيع الماضية سلسلة انشقاقات، منها تفكك كتلة حزب الحيوان وانقسام ثلاثة أعضاء سابقين من كتلة BBB التي كانت تضم 16 عضواً، بالإضافة إلى انفصال عضو عن VVD وتشكيله كتلة خاصة.
وبحكم أن الانتخابات المقبلة لمجالس المحافظات – التي تحدد بدورها تركيبة مجلس الشيوخ – لن تُجرى قبل ربيع عام 2027، فإن المجلس سيعمل خلال العام ونصف المقبلين بهذا العدد القياسي من الكتل.
تحديات أمام التشكيل الحكومي
يرى مراقبون أن هذا التفتت لا يعني بالضرورة استحالة التوافق، لكنّه يزيد من صعوبة تشكيل حكومة تحظى بدعم غرفتي البرلمان معاً. فحتى في مجلس النواب، يحتاج تشكيل أي حكومة إلى تحالف يضم أربع أحزاب على الأقل، وسط خطوط حمراء متبادلة، أبرزها رفض VVD التعاون مع كل من PVV وتحالف اليسار-العمل GroenLinks-PvdA.
ويشير خبراء العلوم السياسية إلى أنّ مجلس الشيوخ لطالما كان لاعباً حاسماً في تقييم ودعم التشريعات منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وأن الحكومات المتعاقبة لم تكن تمتلك غالبية مريحة فيه، بما في ذلك حكومات مارك روته. ومع ذلك، تمكّنت تلك الحكومات من تمرير معظم القوانين بفضل “مرونة” رئيس الوزراء السابق وقدرته على التواصل المستمر مع الكتل المختلفة.
تزايد الخيارات… رغم تزايد التفتت
يرى البعض أن ارتفاع عدد الكتل قد يفتح الباب أيضاً لخيارات تفاوضية أوسع، إذ يمكن للحكومة البناء على دعم متغير وفق الملفات. فالخبراء يشيرون إلى أن الانشقاقات الأخيرة لا تُغيّر كثيراً في الاتجاهات التصويتية للأحزاب الأصلية في القضايا الكبرى.
السيناريو الأبرز: حكومة أقلية من الوسط
يرجّح عدد من الأكاديميين أن يكون تشكيل حكومة أقلية من أحزاب الوسط خياراً واقعياً وفعالاً، بحيث يتم تأمين الأغلبية عبر تعاون مرن مع أحزاب من اليمين أو اليسار تبعاً لطبيعة الملف. فمثلاً قد تحصل الحكومة على دعم يساري في ملفات المناخ والنيتروجين، وعلى دعم يميني في ملفات اللجوء والهجرة.
ويؤكد الباحث توم فان دير مير أن هذا النموذج، إذا طُبّق مبكراً قبل توتر العلاقات بين الأحزاب المتفاوضة، قد يعزز الاستقرار ويضمن مشاركة “اليمين واليسار معاً في المسؤولية الحكومية”.
جيتّن… ومهمة الحوار الدائم
وبينما تتواصل مفاوضات تشكيل الحكومة بقيادة مرشّح رئاسة الوزراء المحتمل روب جيتّن، يؤكد الخبراء أن النجاح لا يعتمد فقط على اتفاق تشكيل الائتلاف، بل على القدرة المستمرة على إدارة حوارات دائمة مع الكتل المختلفة في مجلس الشيوخ. ويقول الباحث سيمون أوتخس إن جيتّن لن يتخلص من “المفاوضات وشرب القهوة” بمجرد انتهاء تشكيل الحكومة، بل سيضطر إلى مواصلة ذلك طوال فترة ولايته لضمان تمرير التشريعات.


+ There are no comments
Add yours