منذ انتشار قصة اللاجئ اليمني الذي رفع قضية ضد هولندا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للمطالبة بالاعتراف بتعدد الزوجات، اشتعلت مواقع التواصل وامتلأت بالهجوم، ليس فقط على الفعل نفسه، بل على الرجل كشخص، وعلى انتمائه الفكري والسياسي. وكأن القضية القانونية تحولت فجأة إلى ساحة لتصفية الحسابات.
لكن دعونا نهدأ قليلاً ونسأل أنفسنا: هل القضية فعلاً تستحق هذا الكم من الغضب وهل لو كنا مكانه هل سنقوم بهذا الفعل ؟ وهل ما فعله الرجل استثناءً في واقع مليء بالتناقضات؟
كثيرون من اللاجئين في أوروبا، ومنهم في هولندا، يعيشون في مساحات رمادية بين القانون والواقع. نعرف جميعًا قصصًا عن من قدّم روايات غير صحيحه في طلب اللجوء ليحصل على فرصة للنجاة من الحرب أو من القمع أو من الفقر. نعرف من يعمل في الاسود وهو على “الأوت كيري”، ومن يستخدم وثائق غير دقيقة للمّ شمل أسرته، وغيرها من الامور والمخالفات في واقعنا اليومي في هولندا ، وكل ذلك تحت عنوان: “من أجل عائلتي” أو “من أجل حياة أفضل”.
هل كل ذلك قانوني؟ بالتأكيد لا.
هل يمكن فهمه إنسانياً؟ إلى حدٍّ كبير، نعم.
ما قام به الرجل — إن صحّت تفاصيل القضية — لا يخرج عن هذا السياق. إنه نوع من التحايل على القانون، لكن الدافع ليس الجشع أو الاستعلاء، بل سعي للحفاظ على ما يراه “عائلته”. وهذا لا يبرر الفعل، لكنه يفسّره.
المزعج في هذه القصة ليس مضمون القضية فحسب، بل الطريقة التي تم التعامل بها مع الرجل: السخرية، التهجم، والتشويه الكامل لشخصه بسبب خلفيته أو فكره.
وكأننا نسينا أن القانون وحقوق الإنسان وُجدت أصلاً لحماية المختلفين لا لتبرير إهانتهم.
أعرف مسبقاً أن ما أكتبه الآن سيُفهم خطأ، وأن البعض سيتهمني بالانتماء إلى حزب أو فكر معين. لكن من يعرفني يدرك أنني لا أنتمي لأي طرف، وأن موقفي نابع من مبدأ بسيط: الإنصاف لا يعني الدفاع، والاختلاف لا يبرر الإهانة.
القضية هنا أكبر من شخص أو حكم قضائي. إنها مرآة تعكس تناقضاتنا نحن كلاجئين وكبشر. نغضب من تحايل الآخرين، بينما نغضّ الطرف عن تحايلاتنا الصغيرة التي نبررها تحت مسمى “الضرورة”.
في النهاية، يبقى السؤال: من منّا بلا خطيئة؟
قبل أن نحمل الحجارة ونرجم “الأنسي” بالكلمات، لنسأل أنفسنا بصدق: لو كنا مكانه، وتحت نفس الظروف، هل كنا سنفعل شيئًا مختلفًا؟


+ There are no comments
Add yours