بقلم الناشط / عمار علي قُــران
لم يعد خطر مليشيات الحوثي في اليمن قضية داخلية يمكن النظر إليها بمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي، بل أصبح تهديدًا يتجاوز حدود اليمن ليطال أمن المنطقة واستقرارها والمصالح الدولية. ولذلك، فإن تأكيد المجتمع الدولي على خطورة هذه المليشيات، ومحاسبتها على ما ارتكبته من انتهاكات واعتداءات، يمثل ضرورة لحماية مستقبل اليمن وشعبه، ومنع استمرار دائرة العنف وعدم الاستقرار.
لقد دفعت الحرب التي أشعلتها مليشيات الحوثي ملايين اليمنيين إلى النزوح والعيش في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة. وكان للمدنيين، ولا سيما النازحين الذين وجدوا أنفسهم في مخيمات النزوح في محافظة مأرب، نصيب كبير من المعاناة والخوف والاستهداف. هؤلاء المدنيون لم يختاروا الحرب، ولم يكونوا طرفًا فيها، ومع ذلك وجدوا أنفسهم أمام تهديدات مستمرة، في ظل أوضاع إنسانية واقتصادية قاسية.
ومن هنا تبرز أهمية إيصال صوت الضحايا إلى المجتمع الدولي، والتأكيد على أن حماية المدنيين ليست مجرد شعار، وإنما مسؤولية قانونية وإنسانية وأخلاقية. كما أن الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون يجب ألا تمر دون تحقيق ومساءلة، وأن يكون للضحايا الحق في العدالة والإنصاف.
وفي هذا السياق، خرجنا في وقفة احتجاجية أمام مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، للتأكيد على خطورة مليشيات الحوثي وما تسببت فيه من معاناة وانتهاكات بحق المواطنين اليمنيين، ولإيصال رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن معاناة اليمنيين، وخاصة النازحين في مخيمات محافظة مأرب، لا ينبغي أن تُنسى أو تُهمَل.
كانت وقفتنا رسالة سلمية تطالب بالانتباه إلى ما يعانيه المدنيون، وبضرورة التعامل بجدية مع التقارير المتعلقة بالانتهاكات، وفتح المجال أمام آليات التحقيق والمساءلة الدولية. كما أردنا التأكيد على أن العدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية، وأن جميع الضحايا يستحقون أن تُسمع أصواتهم وأن تُبحث قضيتهم بصورة جادة ومستقلة.
أفعال الحوثيين ومعايير تصنيف الجماعات الإرهابية
إن وصف أي جماعة بأنها إرهابية يجب أن يستند إلى الأدلة والمعايير القانونية والقرارات الدولية ذات الصلة. وفي حالة مليشيات الحوثي، فإن طبيعة الأفعال المنسوبة إليها، بما في ذلك استهداف المدنيين، وتهديد السكان، واستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية، وزرع الخوف والرعب، فضلًا عن الاعتداءات التي طالت مناطق مأهولة بالسكان وتهديد الأمن والاستقرار، تستدعي من المجتمع الدولي دراسة مدى انطباق المعايير القانونية ذات الصلة بتصنيف الجماعات الإرهابية عليها.
ومن هذا المنطلق، فإن ما تقوم به مليشيات الحوثي، وفق ما وثقته تقارير وشهادات متعددة بشأن ممارساتها وانتهاكاتها، يثير بوضوح مسألة انطباق المعايير التي تعتمدها الدول والهيئات الدولية في تعريف وتصنيف الجماعات الإرهابية. فالإرهاب لا يُقاس فقط باسم الجماعة أو شعاراتها، وإنما بطبيعة أفعالها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والوسائل التي تستخدمها، ومدى تعمدها ترهيب المدنيين أو استهدافهم واستخدام العنف كوسيلة لفرض إرادتها.
وعليه، فإن المجتمع الدولي مطالب بالنظر بجدية في هذه الأفعال، وعدم الاكتفاء بالإدانات السياسية، بل اتخاذ خطوات قانونية وعملية تتناسب مع حجم المخاطر. وإذا ثبت وفق المعايير القانونية المعتمدة أن ممارسات مليشيات الحوثي تستوفي عناصر ومعايير تصنيف الجماعات الإرهابية، فإن تصنيفها واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقها يجب أن يكون جزءًا من جهود حماية المدنيين ومكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار.
فمواجهة الإرهاب والعنف لا تكون فقط بالبيانات والإدانات، وإنما عبر إجراءات عملية تضمن حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتجفيف مصادر تمويل العنف، ومنع الإفلات من العقاب، وضمان عدم تكرار الجرائم والانتهاكات.
إن التساهل مع أي جماعة تستخدم العنف ضد المدنيين أو توظف الخوف والإرهاب لتحقيق أهدافها السياسية يمثل خطرًا على المجتمع الدولي بأسره، لأن الإفلات من العقاب قد يشجع على تكرار هذه الممارسات ويخلق بيئة تسمح بانتشار التطرف والعنف خارج حدود اليمن.
رسالة من لاهاي إلى المجتمع الدولي
إن وقفتنا الاحتجاجية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي هي رسالة سلمية من مواطنين يمنيين يطالبون بالعدالة، ويؤكدون أن معاناة الضحايا لا ينبغي أن تتحول إلى أرقام في التقارير الدولية.
لقد أردنا من خلال هذه الوقفة أن نلفت أنظار المجتمع الدولي إلى ما يتعرض له المواطنون اليمنيون، وفي مقدمتهم النازحون في مخيمات محافظة مأرب، وأن نؤكد أن حماية هؤلاء المدنيين يجب أن تكون أولوية للمجتمع الدولي.
إن اليمنيين يريدون السلام، لكنهم يريدون سلامًا حقيقيًا ومستدامًا يقوم على العدالة والمساءلة وحماية حقوق الإنسان، وليس سلامًا يكرس الإفلات من العقاب أو يسمح باستمرار استهداف المدنيين.
ومن هنا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على الدعوة إلى السلام، وإنما تمتد إلى معالجة أسباب الصراع، وحماية المدنيين، ودعم آليات العدالة والمساءلة، والنظر بجدية في تصنيف مليشيات الحوثي وفق المعايير القانونية الدولية إذا ثبت انطباقها عليها.
إن مستقبل اليمن والمنطقة مرتبط بقدرة المجتمع الدولي على التعامل بحزم مع مصادر العنف والإرهاب، وحماية المدنيين، ووضع حد للإفلات من العقاب. ولذلك ستظل أصوات الضحايا والنازحين حاضرة، وستظل رسالتنا واضحة: لا سلام مستدام من دون عدالة، ولا استقرار حقيقي مع استمرار استهداف المدنيين والإفلات من العقاب.


+ There are no comments
Add yours