من الجميل أن يبقى الإنسان مرتبطاً بوطنه، وأن يفتخر بتاريخه وتراثه وعاداته وتقاليده. هذا حق مشروع لا يستطيع أحد أن يصادره منك. كما أن الاعتزاز بالموروث الشعبي اليمني، بما يحمله من قيم الكرم والتكافل الاجتماعي واحترام الكبير وإكرام الضيف وصلة الرحم، أمر يدعو للفخر ويحافظ على صلتنا بجذورنا وهويتنا.
لكن في المقابل، علينا أن ندرك أننا نعيش في هولندا، وهي دولة لها قوانينها وثقافتها ونظرتها الخاصة لمفاهيم الأمن والسلامة العامة. وما نراه نحن جزءاً من تراثنا قد يراه الآخرون بطريقة مختلفة تماماً.
فالجنبية اليمنية، على سبيل المثال، تمثل بالنسبة لنا رمزاً تاريخياً وتراثياً ارتبط بالهوية اليمنية لعقود طويلة. لكن في هولندا لا يتم النظر إليها من هذا المنظور، بل تُصنف قانونياً كسلاح أبيض، حتى وإن كان الغرض من حملها الزينة أو المشاركة في مناسبة اجتماعية أو احتفال شعبي.
تخيلوا معي هذا الموقف: أنت تجلس مع عائلتك وأطفالك في إحدى الحدائق العامة، ثم تشاهد مجموعة من الأشخاص من ثقافة أخرى يحملون سيوفاً أو حراباً أو أدوات حادة ويؤدون بها حركات استعراضية. قد يكون الأمر بالنسبة لهم جزءاً من تراثهم، لكن بالنسبة لك ولعائلتك سيكون المشهد مقلقاً ومخيفاً لأنك لا تعرف خلفيته الثقافية ولا تعرف إن كان آمناً أم لا.
هذا تماماً ما قد يشعر به الهولنديون أو غيرهم من الموجودين في الحدائق والساحات العامة عندما يشاهدون أشخاصاً يحملون الجنابي أو يؤدون حركات استعراضية بها. فالمشكلة ليست في النوايا، وإنما في طريقة فهم الآخرين لما يرونه أمامهم.
ولعل حادثة وقعت مؤخراً في أحد مستشفيات مدينة سبايكنيسه الهولندية توضح هذه الفكرة بشكل عملي. فقد تلقت الشرطة بلاغات عن وجود رجل يحمل سكيناً داخل المستشفى، ما استدعى حضور عدة دوريات أمنية للبحث عنه. وبعد التحقق تبين أن ما أثار مخاوف الناس هو ظهور مقبض سكين بشكل واضح من ملابس الرجل. ورغم عدم وقوع أي حادث، صادرت الشرطة السكين وأوضحت أن إظهار مثل هذه الأدوات في الأماكن العامة يثير القلق والخوف لدى الآخرين. هذه الحادثة تؤكد أن الجانب الأمني في هولندا يُنظر إليه بجدية كبيرة، وأن القضية لا تتعلق فقط بالنوايا الحسنة بل أيضاً بتأثير التصرفات على المجتمع المحيط.
وخلال عيد الأضحى هذا العام، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع لتجمعات واحتفالات لمهاجرين في دول أوروبية مختلفة. واستغل بعض اليمينيين المتطرفين تلك المقاطع للتحريض وإثارة الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين. وفي كثير من الأحيان لا يهتم هؤلاء بشرح السياق أو فهم الخلفية الثقافية، بل يبحثون فقط عن أي صورة أو مشهد يمكن استخدامه لإقناع الآخرين بأن المهاجرين يمثلون مشكلة أو خطراً على المجتمع.
ولهذا فإن الحذر واجب. فالصورة التي تُلتقط في ثوانٍ قد تنتشر إلى آلاف الأشخاص خلال ساعات، وقد تُستخدم بطريقة مختلفة تماماً عن الغرض الذي التُقطت من أجله.
البعض يعتقد أنه عندما يرتدي الجنبية أو يستعرضها في الأماكن العامة فإنه يُعرّف الهولنديين بالتراث اليمني أو يبهرهم بهذا المظهر التقليدي. لكن الواقع مختلف. فالهولندي العادي لا يرى التاريخ الذي نراه نحن، ولا يعرف الرمزية التي نعرفها نحن، بل يرى أداة حادة قد تشكل خطراً على الموجودين في المكان.
كما يجب أن نتذكر أن اليمنيين في هولندا يتمتعون بصورة إيجابية لدى الكثير من المؤسسات والمجتمعات المحلية. فمعظم اليمنيين منشغلون بالدراسة والعمل وبناء مستقبل أفضل لأسرهم، ويحاولون الاندماج بشكل إيجابي واحترام قوانين البلد الذي يعيشون فيه. ومن المؤسف أن تؤدي تصرفات فردية إلى إعطاء انطباع مغاير عن مجتمع كامل.
إن تكرار مثل هذه التصرفات قد لا يقتصر أثره على تشويه الصورة العامة فقط، بل قد يؤدي أيضاً إلى تدخلات أمنية أو إجراءات قانونية، وقد يُنظر إليه باعتباره سلوكاً يثير المخاوف أو يمس السلم المجتمعي. لذلك فإن المسؤولية لا تقع على فرد واحد، بل على الجميع.
رسالتنا ليست التخلي عن هويتنا أو ثقافتنا أو تراثنا. على العكس تماماً، فتراثنا مصدر فخر لنا. لكن الحكمة تقتضي أن نعرف كيف ومتى وأين نظهر هذا التراث، وبالطريقة التي تحترم قوانين البلد الذي نعيش فيه وتراعي مشاعر المجتمع المحيط بنا.
فالاندماج لا يعني التخلي عن الهوية، كما أن الاعتزاز بالهوية لا يعني تجاهل القوانين أو ثقافة المجتمع. وبين هذين الأمرين توجد مساحة واسعة من الوعي والمسؤولية والاحترام المتبادل.
إن أفضل طريقة لتعريف الهولنديين باليمن ليست من خلال حمل الجنبية في الحدائق العامة، بل من خلال أخلاق اليمنيين، واجتهادهم في العمل، واحترامهم للقانون، ومساهمتهم الإيجابية في المجتمع. فهذه هي الصورة التي نريد أن تبقى عن اليمن واليمنيين في هولندا.


+ There are no comments
Add yours