أوهام النصر الساحلي.. لماذا تشكل مرتفعات تعز مفتاح الحسم الحقيقي لباب المندب؟

​بقلم: زكريا كرش
Zakarya karash

​تعتبر قراءة الخريطة العسكرية في أدبيات الحروب مسألة تفوق في أهميتها البعد المعنوي للحسم الميداني؛ فالانسياق وراء نشوة السيطرة الجغرافية دون إدراك الطبيعة التضاريسية للمعارك قد يستحيل إلى فخ استنزافي قاتل.

وفي المشهد الميداني اليمني، فإن استعادة ذُوباب وباب المندب وصولاً إلى المخا — رغم أهميتها الرمزية — تظل في جوهرها استرداداً لـ “نصر معنوي” ومكتسبات طبيعية، في حين يكمن النصر الاستراتيجي الحقيقي والكامل في دحر المليشيا الحوثية واجتثاث وجودها من تعز كاملة ومن كافة الأراضي اليمنية.

​✦ درس السقوط الدراماتيكي.. حقيقة المساحات المفتوحة

ولفهم هذه المعادلة بدقة، يجدر بنا التراجع قليلاً وقراءة التفاصيل الميدانية التي رافقت سقوط المخا والخط الساحلي وباب المندب بيد المليشيا سابقاً بصورة دراماتيكية ومفاجئة.
إن السبب الجوهري يكمن في أن سد فجوة الساحل الغربي عسكرياً يُعد مهمة شاقة ومعقدة، وهو ذات الجدار الصلب الذي اصطدمت به المليشيا بعد اندفاعها السريع.

لقد ظن الحوثيون أن التمدد في الخط الساحلي نصر مجاني، غير مدركين أنهم ولجوا صحراء مفتوحة وتضاريس هشة أصبحت بمثابة فخ استنزافي ابتلع تعزيزاتهم واستنزف طاقاتهم البشرية والهندسية بشكل لم يحسبوا له حساباً.

​وهو الطرح والتحذير الاستباقي الذي فصلتُه في مقالي السابق بعنوان: «المخا وباب المندب.. أسباب تحول الهجوم الحوثي من نشوة قوة إلى ورطة ميدانية»؛ إذ أكدتُ فيه حينها أن اندفاع المليشيا نحو الساحل ليس دليل قوة، بل مقامرة فرضها الواقع وفتحت ثغرة واسعة لإنهاكهم وتشتيت قوتهم.

واليوم تؤكد المجريات الميدانية صحة تلك القراءة؛ فقد تحول تمددهم الساحلي بالفعل إلى ورطة وفخ محكم استنزف قواتهم وأجبرها على التراجع.

​✦ تكتيك الإلهاء.. الساحل كستار للمعارك الحاكمة

إن القراءة المتأنية للمسار الميداني منذ سقوط المخا وحتى استعادتها اليوم تكشف عن استراتيجية حوثية قائمة على الإلهاء والتضليل؛ فالانسحاب والتراجع في الساحل الغربي وقبول خسائر فادحة فيه قد يكون فخاً مدبراً لجذب قوات الجيش الوطني نحو الشريط الساحلي المكشوف واستنزاف قدراته هناك، بهدف صرف الأنظار عن المعركة المصيرية في المناطق الجبلية الاستراتيجية؛ وما كنا نعتقد أنه فخٌّ عليهم واستنزافٌ لهم، قد يتحول في نهاية المطاف إلى فخٍّ لصالحهم يُحكم إغلاقه على الجميع.

​✦ الاستماتة في الجبال.. تعز البوابة الحقيقية للمندب

تتجلى صحة هذه الرؤية في الواقع الميداني؛ فبينما تتهاوى أركان المليشيا في الساحل، نراها تستميت وتدفع بثقلها الزاحف نحو قمم ومنافذ مقبنة، وجبل حبشي، وعمق التربة، وصولاً إلى خنق مدينة تعز.

وما يضاعف خطورة هذا المشهد هو السيطرة الحوثية الكاملة على محافظة إب، والتي تُعد قاعدة إمداد لوجستي ومسرحاً خلفياً يُضاعف الضغط العسكري من الجبهة الشمالية والشرقية.

وفي الوقت الذي يذود فيه أبناء تعز عن مدينتهم بجهودهم وإمكاناتهم الذاتية، تواصل المليشيا الحوثية الدفع بثقلها العسكري لإسقاط المواقع والمناطق الاستراتيجية الحساسة؛ بسعي حثيث لربط محافظة إب الخاضعة لسيطرتها بتعز، لتبني منهما كتلة جغرافية وبشرية متصلة تُضاعف من نفوذها وقوتها الاستراتيجية.

إن المليشيا تدرك تماماً أن إحكام القبضة على هذه المرتفعات الحاكمة سيمكنها تلقائياً من الإشراف الناري والعسكري على الشريط الساحلي بأكمله، وسيجعل من باب المندب والمخا مناطق ساقطة ناريًا وتحت رحمتها مجدداً، دون الحاجة لخوض مواجهة استنزافية مكلفة على الشواطئ المفتوحة.

​✦ التحذير الأخير.. السيطرة من القمم لا من الشواطئ

إن القوة التي تسيطر على مرتفعات تعز العالية ودروبها الوعرة هي القوة التي تتحكم فعلياً وبشكل دائم بالشريط الساحلي والممر المائي الدولي.

إن استخفاف القيادة العسكرية بمعركة الجبال وتسليم زمام المبادرة للمليشيا في تعز سيجعل من استعادة الحوثيين لباب المندب والساحل مجرد مسألة وقت وبأقل جهد؛ بل وستكون مليشيا الحوثي وطهران أقرب إلى عدن من حبل الوريد.

النصر لا يُصنع على الشريط الساحلي المكشوف، بل يُحسم بكسر المليشيا في قمم تعز وتطهير الجغرافيا اليمنية من التمدد الحوثي الإيراني.

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours