هولندا عربية
عنوان بسيط، لكنه يحمل في طياته مأساة شعب يمني كامل، وواقعاً مؤلماً يستحق أن نتحدث عنه بصراحة، بعيداً عن المجاملات والشعارات.
دعونا نترك الحديث عن واقع اليمن، بما فيه من فساد وجهل وتخلف وحروب وصراعات، ولنلتفت إلى أنفسنا نحن اليمنيين الذين هاجرنا إلى هولندا بحثاً عن الأمان والكرامة والحياة الكريمة.
كان من المفترض أن نتعلم من مآسينا، وأن نترك خلفنا أسباب انقساماتنا، وأن نبني مجتمعاً يمنياً أكثر وعياً وتضامناً. لكن المؤسف أن بعضنا حمل معه إلى هولندا الأمراض الاجتماعية نفسها التي ساهمت في تمزيق مجتمعنا في اليمن.
وأنا هنا لا أعمم، فهناك يمنيون ويمنيات يبذلون جهوداً مشرفة، لكنني أتحدث عن ظواهر مؤلمة تستحق النقد والمراجعة.
قبل أكثر من عام، نشرنا في «هولندا عربية» عريضةً تطالب الحكومة الهولندية بتصنيف جماعة الحوثي منظمةً إرهابيةً، ولم يشارك فيها سوى نحو 560 شخصاً. وبعد ذلك، نظم شباب يمنيون مبادرات ووقفات احتجاجية للدفاع عن قضايا مجتمعهم، لكن الحضور في بعضها لم يتجاوز عشرات الأشخاص.
وقبل أيام، نُشرت عريضة للمطالبة بمساءلة الحكومة الهولندية بشأن التأخير الطويل في قرارات اللجوء لليمنيين، ولم يشارك فيها سوى نحو 450 شخصاً، يزيدون قليلاً أو ينقصون.
فأين بقية اليمنيين؟ وأين الذين يشتكون يومياً من الظلم وطول الانتظار؟ وكيف نطالب الآخرين بالدفاع عن حقوقنا، بينما نتكاسل عن المشاركة في عريضة لا تستغرق سوى دقائق معدودة؟
لقد خذلنا أنفسنا عندما انتظرنا من الآخرين أن يطالبوا بحقوقنا نيابةً عنا، وخذلنا أنفسنا عندما اكتفينا بالشكوى والصراخ في مجموعات الواتساب والفيسبوك، بينما نختفي عندما يحين وقت العمل والمشاركة.
والأشد إيلاماً أننا لم نكتفِ باللامبالاة، بل بدأ البعض يحاول تصدير الطبقية العفنة إلى هولندا، يطل علينا بين الحين والآخر أصحاب عقليات متخلفة، يتفاخرون بمن هو شيخ ومن هو سيد، ومن هو أعلى نسباً أو أقل منزلةً، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بلقب ورثه عن أجداده، لا بعلمه وأخلاقه وعمله
أي تخلف هذا الذي نريد إعادة إنتاجه في بلد لجأنا إليه هرباً من الظلم والعنصرية والتمييز؟
لا مشكلة في أن يعتز الإنسان بأسرته، لكن المشكلة عندما يتحول الاعتزاز إلى وسيلة للاستعلاء واحتقار الآخرين، إنها بقايا ثقافة طبقية عفنة ساهمت في تقسيم مجتمعنا، ويحاول البعض إحياءها في المهجر.
لقد هربنا من واقع التخلف والعنصرية والطبقية في اليمن، فلا تسمحوا لمن يحملون هذه الأفكار بأن يعيدوا نشرها بيننا وبين أبنائنا في هولندا، فليس بين اليمنيين إنسان أعلى قيمةً من آخر بسبب نسبه أو لقبه أو منطقته.
وخذلنا أنفسنا أيضاً عندما نقلنا خلافاتنا الحزبية والمناطقية إلى الغربة، وأصبحنا نسأل عن منطقة صاحب المبادرة وانتمائه قبل أن نسأل عن أهمية قضيته وعدالة مطالبه.
وإلى اليمنيين في مراكز اللجوء، الذين يعيش بعضهم منذ سنوات تحت وطأة الانتظار والقلق، أقول: أين أنتم؟ هل أنتم نائمون؟ لماذا لا نسمع إلا الشكاوى من تأخر القرارات، بينما لا يشارك في العرائض والمبادرات إلا عدد محدود؟ مع إدراكي أن هناك ظروفاً قد تمنع البعض من المشاركة، فإن هذا لا يبرر ضعف التفاعل المجتمعي عموماً.
المؤسف أننا عندما يظهر ترند تافه أو خلاف بين شخصين على وسائل التواصل، نجد آلاف التعليقات والمشاركات، لكن عندما يتعلق الأمر بحقوقنا ومستقبلنا، يختفي الحماس ويحل الصمت.
نحن بارعون في حضور العزائم والأعراس، وارتداء الجنبية والرقص والتفاخر بالأنساب وترديد أننا «أصل العرب»، ولا عيب في الاعتزاز بتراثنا، لكن ما قيمة التفاخر بلقب إذا كنا عاجزين عن بناء مستقبل أفضل لأبنائنا؟
وخلال الحرب على غزة، خرج مئات اليمنيين في مظاهرات تضامنية، ورفعوا أصواتهم احتجاجاً على القتل والمعاناة، وكان ذلك موقفاً إنسانياً نبيلاً، لكن لماذا لا نرى الحماس نفسه عندما يُقتل اليمني في تعز او ي منطقة في اليمن، أو تُنتهك حقوقه، أو يعاني أطفال اليمن من الحرب والجوع والخوف؟
التضامن مع الآخرين واجب إنساني، لكنه لا ينبغي أن يقابله صمت تجاه معاناة أهلنا.
سامحوني على قسوة الكلمات، لكننا نعاني ضعفاً في المبادرة والتنظيم والعزيمة، ونحتاج إلى أن ننتقل من ثقافة الشكوى إلى ثقافة العمل، ولا يعني ذلك أن حقوقنا مشروطة بالمظاهرات أو توقيع العرائض، أو أن الحكومات معفاة من مسؤولياتها، لكن علينا نحن أيضاً أن نبذل ما نستطيع بالوسائل القانونية والسلمية.
نحن بحاجة إلى أن نترك خلافاتنا الحزبية والمناطقية والطبقية العفنة خلفنا، وأن نتوقف عن تقديس الألقاب والأنساب والاحزاب والمناطق، وأن نتعلم احترام الإنسان لذاته، وأن نتكاتف للدفاع عن حقوقنا ومستقبل أبنائنا.
لم أكتب هذه الكلمات للإساءة إلى اليمنيين، بل لأنني أؤمن أننا نستحق واقعاً أفضل، وأن لدينا من الكفاءات والعقول والطاقات ما يكفي لبناء مجتمع قوي ومؤثر إذا تجاوزنا خلافاتنا.
لقد هربنا من اليمن بحثاً عن الأمان، فلا نحمل معنا أسباب الانقسام والتمييز، وهربنا من الظلم، فلا نمارسه على بعضنا بعضاً.
لقد خذلنا أنفسنا عندما صمتنا عن حقوقنا، وخذلنا أنفسنا عندما قدمنا مصالحنا وخلافاتنا على مصلحتنا المشتركة، وخذلنا أنفسنا عندما سمحنا للجهل والطبقية والعنصرية بأن تفرقنا.
وحتى نراجع أنفسنا ونغير هذا الواقع، سيظل السؤال قائماً:
كيف نلوم العالم على خذلاننا، ونحن اليمنيين قد خذلنا أنفسنا قبل أن يخذلنا العالم؟
هولندا عربية


+ There are no comments
Add yours