لماذا تُصعّد مليشيا الحوثي في تعز؟.. قراءة في تكتيك الضغط والهروب إلى الهدنة

بقلم: زكريا كرش Zakarya karash

في الآونة الأخيرة، وفي ظل التطورات الميدانية والمعارك الدائرة بين قوات الجيش الوطني ومليشيا الحوثي، تتصاعد انتهاكات المليشيا بحق المدنيين، سواء عبر القصف العشوائي المستمر أو فرض الحصار المطبق على مدينة تعز.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا كل هذا التصعيد في هذا التوقيت بالذات؟

من وجهة نظر تحليلية، الإجابة تكمن في محاولة المليشيا البحث عن أي مخرج أو هدنة طارئة بأي ثمن، تقيها من هجمات الجيش الماحقة واستنزافه المستمر لها سواء براً أو جواً.

يُضاف إلى ذلك عامل جوهري يتمثل في الاستنزاف البشري الباهظ الذي تكبدته المليشيا في جبهات تعز؛ فقد دخلت هذه المعارك وهي تمني النفس بسقوط المدينة الخالدة بأقل خسارة ممكنة، لكنها اصطدمت بصمود أسطوري لأبناء تعز، وبضربات دقيقة وموجعة من الطيران الحربي وسلاح المسيرات الذي أحرق تعزيزاتها تباعاً.

ولم يتوقف هذا الاستنزاف عند حدود جبهات القتال، بل تعداها ليكشف عن حالة إفلاس وتخبط تنظيمي؛ فمع تهاوي عناصرها الأساسية، لجأت المليشيا إلى زجّ جنود أقسام الشرطة، وقوات النجدة، ورجال المرور، بل وحتى بعض المشايخ والأعيان الموالين لها، إما خداعاً بأوهام “الشهادة والمناصب” أو قسراً بقوة السلاح والتهديد والوعيد.

ولم يتوقف هذا العبث عند هذا الحد، بل امتد ليطال طفولة وشباب اليمن؛ فلم يسلم طلاب المدارس والجامعات من آلة التجنيد، وبدلاً من أن تُسلم لهم الأقلام لبناء المستقبل، حُشِدت في أيديهم البنادق وأُرسلوا إلى الجبهات، لا ليكملوا تحصيلهم العلمي، بل ليكملوا أيامهم الأخيرة تحت جحيم الغارات وقصف المدافع.

وإلى جانب ذلك، يتكشف البعد الأعمق للمأزق الحوثي في مقتل العديد من قيادات الصف الأول جراء الضربات الجوية المركزة؛ ورغم حرص المليشيا الشديد على التعتيم والتحفظ الأمني إزاء حجم خسائرها الكارثية، إلا أن تلميحات منصاتها وقياداتها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها باتت بحاجة إلى الهدنة أكثر من أي طرف آخر، كطوق نجاة لترميم هيكل قيادي متداعٍ.

هذا الانهيار الميداني والاستنزاف الشامل دفعها للوقوع في فخ “القمار العسكري”، وحين وجدت نفسها في موقف الضعف المطلق، تحولت بوصلتها بيأس للبحث عن هدنة تعيد ترتيب أوراقها المبعثرة.

لكن مع استمرار عملية “فجر اليمن” التي لم تمنحها طوق النجاة، لجأت المليشيا كعادتها إلى سلاحها الأثير: تشديد الحصار على مدينة تعز واستهداف المدنيين الأبرياء، في محاولة خبيثة لابتزاز المجتمع الدولي وفرض “هدنة إجبارية” تضغط بها على الحكومة الشرعية والتحالف للرضوخ لوقف القتال وإنقاذها من الهاوية.

إنها حركة ميدانية وسياسية مكشوفة، لكنها تضعنا أمام تساؤلات مصيرية:
هل ستنجح المليشيا وأبواقها الخارجية في جر الشرعية إلى فخ الهدنة الخادعة؟

وهل تقبل الحكومة الشرعية وشركاؤها في التحالف — وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية — بهذه الشروط؟

أم أن معركة استعادة الدولة وإنهاء عبث المليشيا ماضية نحو طريقها حتى تحرير العاصمة صنعاء؟

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours