بقلم: زكريا كرش
Zakarya karash

لم تعد المعركة التي تخوضها المليشيا الحوثية في اليمن تقتصر على خطوط النار وميادين السلاح، بل امتدت لتستهدف الجبهة الأكثر خطورة على أمن المجتمع ومستقبله: “جبهة العقول والتعليم”.
ومحافظة إب، مثالٌ حي على ذلك؛ فدون كللٍ أو ملل يواصل القيادي الحوثي المدعو “عبدالفتاح غلاب” تحركاته المكثفة داخل المرافق التعليمية، مشيناً حملات تعبئة طائفية مغلوطة تنقلت بوقاحة بين أروقة الجامعات وصحون المدارس، لتستهدف الطلاب الصغار والكبار على حدٍّ سواء.
هذه الخطابات العدائية والممنهجة لا تُلقى عفو الخاطر، بل تأتي ضمن استراتيجية دقيقة تهدف إلى تجريف الهوية الوطنية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى معسكرات مفتوحة لاستقطاب النشء.
إن الخطورة الحقيقية لهذا التجريف الفكري تكمن في أنه يستهدف غسل عقول الأجيال الناشئة؛ حيث يُراد للطفل اليمني أن يبدأ مرحلته التعليمية الأساسية وهو مشحونٌ بعقيدة طائفية مغلوطة، تزرع في جوفه العداء وتفصل بنيانه الفكري عن عروبته ووطنيته، ليتحول مع الوقت إلى وقودٍ حي لمعارك العصابة ومشاريعها العابرة للحدود.
وهنا يبرز خط الدفاع الأول والدور الأهم الملقى على عاتق الآباء والأمهات والإخوة الكبار؛ فنحن نعلم جميعاً أن المليشيا تفرض هذه التعبئة بالقوة القهرية على المدارس، لكن المفتاح الحقيقي لحماية أطفالنا يبدأ من داخل المنزل.
حين يعود الطفل من مدرسته محشواً بتلك السموم، يأتي الدور المحوري للبالغين في الأسرة لتفكيك هذه الخرافات وتنظيف عقله فوراً من خلال خطاب وطني مضاد، وتفنيد أكاذيب أبواق المليشيا بأسلوب مبسط وواعي.
عندما يجد الطفل في بيته إرشاداً يناقض زيف المليشيا، سينشأ وهو مدرك تماماً أن ما يُملى عليه في المدرسة ليس سوى بضاعة مغلوطة، وأن قول آبائه وأهله هو الحقيقة وعين الصواب، ليبحث عن الأمان الفكري في أسرته ويبقى عقله ناصعاً ومحصناً ضد التطييف.
إن تحصين أبنائنا من هذا السم الفكري هو فرض عين على كل أسرة؛ فالمعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي وهوية، وما لم نلتقط قفاز التحدي ونحمي عقول أطفالنا من المدرسة إلى المنزل، سنفيق غداً على جيلٍ تم اختطافه بالكامل من حضن الوطن.
فإثنا عشر عاماً منذ الانقلاب الحوثي ليست فترة قصيرة؛ فخلال هذه السنوات ولد أطفالٌ وترعرعوا حتى صاروا شباباً تحت وطأة السطوة الكهنوتية، لينشأ الكثير منهم وهو يرى في هذه الجماعة النموذج الوحيد للواقع.
إن هؤلاء الفتيان الذين لم يجدوا داخل أسرهم خطاباتٍ مضادة تفكك سموم المليشيا، تحولوا بالفعل إلى مؤدلجين ومسيرين تُحركهم الجماعة لتنفيذ أجنداتها، قبل أن تسوقهم مجاناً إلى خطوط النار، لتنتهي حياتهم هناك بمسيّرة أو قذيفة لا ترحم.


+ There are no comments
Add yours