بين “درع الوطن” و“الأحزمة الأمنية”: نفوذ يتبدّل وسلطة لا تتغير

في جنوب اليمن، لم يعد الصراع يدور حول دولة تبني مؤسساتها، بل حول قوى مسلحة تتنازع السيطرة، لكل منها داعم إقليمي وحساباته الخاصة. بين قوات درع الوطن المدعومة سعودياً والأحزمة الأمنية المرتبطة بالإمارات، يتكرّس واقع واحد: سلطة السلاح تتقدم على سلطة القانون.

إعلان الإمارات إنهاء وجودها العسكري نهاية 2025، بالتزامن مع تراجع أو غياب ظهور قيادة عيدروس الزبيدي، لم يؤدِ إلى تفكيك هذه المنظومة، بل أعاد ترتيبها. اختفى الحضور المباشر، لكن البنية التي أُنشئت خلال سنوات بقيت تعمل، وإن بمرونة أكبر. الأحزمة الأمنية لم تنهَر، ولم تتحول بالكامل إلى أداة سعودية، لكنها وجدت نفسها مضطرة للتكيّف مع واقع جديد تفرضه الرياض عبر قوى موازية.

في هذا الفراغ، برزت قوات درع الوطن كأداة سعودية لإعادة التوازن في الجنوب. تُقدَّم هذه القوات كامتداد للشرعية، لكنها على الأرض لا تختلف كثيراً في سلوكها: قمع احتجاجات، اعتقالات، وتعامل أمني مع أي معارضة. أحداث سيئون وما تبعها من توقيفات تعكس أن المشكلة ليست في هوية القوة، بل في طبيعة عملها.

في المقابل، لا تقتصر الإشكالات المحيطة بـ“درع الوطن” على سلوكها الميداني، بل تمتد إلى طبيعة تكوينها.
تقارير محلية وحقوقية أشارت إلى أن بعض المنخرطين في هذه التشكيلات لديهم خلفيات سابقة في جماعات متشددة، ما يثير تساؤلات جدية حول آليات التجنيد وإعادة تدوير المقاتلين في بيئة الصراع اليمني. ورغم غياب تحقيقات مستقلة حاسمة تؤكد هذه الاتهامات بشكل قاطع، فإن مجرد تداولها يعكس خللاً أعمق: تحوّل الحرب إلى مساحة مفتوحة تنتقل فيها الولاءات دون مساءلة.

أما الأحزمة الأمنية، فهي تمثل الوجه الأوضح للمرحلة السابقة: نفوذ إماراتي بغطاء محلي، وسجل طويل من الاتهامات بالاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب. ومع تغير الظروف، لم يتغير هذا السلوك، بل استمر ضمن واقع أكثر تعقيداً، حيث تتحرك هذه القوات بين نفوذين دون أن تخضع فعلياً لأي رقابة حقيقية.

ما حدث بعد 2025 ليس انتقالاً واضحاً للسلطة من أبوظبي إلى الرياض، بل تداخل نفوذ. السعودية تحاول فرض أدواتها، والإمارات تحافظ على تأثيرها غير المباشر، وبينهما تقف قوى محلية تبحث عن البقاء أكثر من بحثها عن بناء دولة.


انسحبت الإمارات عسكرياً، وتراجع حضور قيادات مثل عيدروس الزبيدي، لكن المنظومة لم تختفِ. الذي تغيّر هو شكل السيطرة، لا مضمونها. وما بقي ثابتاً هو أن المواطن اليمني ما يزال محكوماً بقوى متعددة الولاءات، تتفق في شيء واحد: أنها تعمل خارج إطار دولة حقيقية.

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours