في خضم النقاش السياسي المحتدم حول تشديد قوانين اللجوء، صدرت وثيقة بالغة الأهمية قد تكون أخطر من كل الخطابات الحزبية. مجلس القضاء الهولندي (Raad voor de rechtspraak) وجّه ورقة موقف رسمية إلى البرلمان يحذّر فيها من تداعيات تنفيذ قوانين اللجوء الجديدة على النظام القضائي نفسه.
الوثيقة لا تناقش الهجرة من زاوية سياسية، بل من زاوية قدرة المحاكم على الاستيعاب. الرسالة الأساسية واضحة: التعديلات المقترحة ستؤدي إلى زيادة هيكلية وكبيرة في عدد القضايا المعروضة أمام القضاء، مع ارتفاع ملحوظ في مدة معالجة كل قضية.
أحد الأسباب الرئيسية لهذا التحذير هو إلغاء ما يُعرف بـ “إجراء النية” (voornemenprocedure). هذا الإجراء يسمح حاليًا بتصحيح الأخطاء في قرارات الهجرة قبل وصولها إلى المحكمة، مما يمنع عددًا معتبرًا من الطعون القضائية. إلغاؤه يعني أن كل خطأ أو نقص في القرار الإداري سيتحوّل مباشرة إلى دعوى أمام القاضي، ما يزيد العبء بشكل تلقائي.
السبب الثاني والأكثر تأثيرًا هو إدخال نظام الوضعيتين. في هذا النظام، سيحصل جزء من طالبي اللجوء على “حماية فرعية” بدل صفة لاجئ كاملة، مع حقوق أقل خصوصًا في لمّ الشمل. مجلس القضاء يتوقع أن نحو 75٪ ممن يحصلون على هذه الحماية سيطعنون في القرار لمحاولة الحصول على الصفة الأعلى. هذا وحده قد يخلق موجة طعون واسعة النطاق.
التقديرات الرسمية تشير إلى إمكانية ارتفاع عدد القضايا بحوالي 19 ألف قضية إضافية سنويًا بحلول عام 2028، نصفها تقريبًا مرتبط مباشرة بنظام الوضعيتين ، هذا الرقم لا يمثل زيادة عابرة، بل ضغطًا هيكليًا طويل الأمد.
الأمر لا يتوقف عند الأرقام. مجلس القضاء يحذر أيضًا من إدخال عدة قوانين متقاربة في التوقيت تتناول نفس المواد القانونية تقريبًا، مثل قانون الطوارئ ونظام الوضعيتين وقانون تنفيذ ميثاق الهجرة الأوروبي. إدخال تعديلات متتالية خلال فترة قصيرة قد يخلق حالة من عدم اليقين القانوني ويؤدي إلى مزيد من الطعون بسبب غموض العلاقة بين النصوص المختلفة.
كما يشير المجلس إلى نقطة حاسمة: تدريب قاضٍ جديد يستغرق عامين على الأقل. هذا يعني أن أي زيادة مفاجئة في القضايا لا يمكن التعامل معها بسرعة عبر توظيف فوري. وإذا تراكمت الملفات، فإن التأثير لن يقتصر على قضايا اللجوء فقط، بل قد يمتد إلى مجالات أخرى مثل القضايا الجنائية وقضايا الأسرة.
تحذير مجلس القضاء لا يحمل طابعًا سياسيًا، بل مؤسسيًا. وهو يضع سؤالًا جوهريًا أمام البرلمان: هل تم احتساب الكلفة القضائية الحقيقية لهذه الإصلاحات؟ لأن أي إصلاح تشريعي لا يأخذ في الاعتبار قدرة التنفيذ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها بطء العدالة وتزايد عدم اليقين القانوني.
بينما يستعد مجلس الشيوخ لمناقشة القوانين في الأسابيع المقبلة، تبقى هذه الوثيقة علامة فارقة في النقاش. فهي لا تعارض التشريع من حيث المبدأ، لكنها تنبّه إلى أن أي تغيير في بنية اللجوء سيصاحبه تغيير عميق في عبء المحاكم. والسؤال الآن ليس فقط ماذا سيُقرّ، بل هل النظام القضائي مستعد لما سيأتي.


+ There are no comments
Add yours