لجوء اليمنيين في أوروبا: من حرب الجبهات إلى حرب “الكامبات”

​بقلم: زكريا كرش
Zakarya karash

​لم تكن الهجرة يوماً خياراً سهلاً، لكنها تحولت بالنسبة لليمنيين إلى طوق نجاة وحيد عقب خريف عام 2014، حينما دخلت البلاد نفقاً مظلماً من الصراع المسلح أعاد اليمن واليمنيين خمسين عامًا للوراء؛ هذا الصراع أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفاقم أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

​ومع تدفق موجات الفارين من جحيم الحرب نحو القارة العجوز، وقفت القوانين الأوروبية لفترة طويلة حائرة في تصنيف المهاجر اليمني، لتتحول رحلة النجاة منذ خطواتها الأولى إلى صراع مرير مع البيروقراطية.

​✦ غربة البدايات.. جحيم الداخل وبيروقراطية الفحص الفردي (2014 – 2016)

عقب اجتياح المليشيات الحوثية للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وتصاعد حدة الحرب، فرّ آلاف اليمنيين بجلودهم نحو القارة الأوروبية بحثاً عن الأمان. ومع ذلك، لم تفتح القارة أبوابها بسهولة؛ فبين عامي 2014 و2016، وجد اللاجئ نفسه ضحية نظام “الفحص الفردي الصارم” (Individual Assessment).

كان يتعين على الهارب من الموت إثبات تعرضه لتهديد شخصي ومباشر أمام محقق أوروبي لا يستوعب هول الكارثة الشاملة في اليمن، مما أدى لتعليق ورفض مئات الطلبات، وكأن البيروقراطية كانت تصرّ على اختبار عمق الجرح قبل الاعتراف بألم صاحبه.

​✦ بوصلة المصالح.. كيف حركت السياسة الإقليمية ضمير القانون الدولي؟

لم يكن الاعتراف الأوروبي باليمني كلاجئ وليد لحظة إنسانية خالصة؛ بل جاء مشروطاً بتحولات الخارطة السياسية.
ففي مارس 2015، ومع انطلاق عمليات “عاصفة الحزم” بقيادة التحالف العربي، ظلّ الملف اليمني يتردد في أروقة التجاهل الأوروبي حتى تحول اليمن إلى ساحة صراع استراتيجي مفتوح.

وكأن ضمير المجتمع الدولي لا تستفزه الكوارث لذاتها، بل تتحكم في يقظتها ثقل العواصم الفاعلة؛ وبمجرد أن تصدّرت الأزمة واجهة الاهتمام الإقليمي، بدأت العواصم الأوروبية تعيد قراءة المشهد وتدرج الجنسية اليمنية ضمن قوائم الحماية.

​✦ المنعطف التاريخي (نوفمبر 2017).. حين أصبحت “الجنسية” جوازاً للأمان

شهد نوفمبر 2017 تحولاً استثنائياً في سياسات هولندا وألمانيا والسويد وغيرها؛ إذ أُدخل الملف اليمني قانونياً تحت مظلة البند (B15) المرتبط بالمادة 15(c) من توجيهات التأهيل الأوروبية.

هذا التعديل اعترف باليمن كـ “منطقة نزاع مسلح يمثل خطراً عشوائياً على المدنيين”، فنال اليمنيون “الحماية الفرعية التلقائية”.

وأصبح مجرد إثبات الهوية اليمنية كافياً لمنح حق اللجوء والإقامة دون استجوابات قاسية. وتكرس هذا التوجه عام 2018 عبر توجيهات “مكتب دعم اللجوء الأوروبي” (EASO)، ليعيش اللاجئون عصراً ذهبياً تراوحت فيه نسب القبول بين 80% و90%، متركزين بشكل رئيسي في ألمانيا وهولندا وبلجيكا، بينما كانت دول أخرى كاليونان وإسبانيا محطات عبور قاسية.

​✦ الارتداد العكسي.. عودة الجدار البيروقراطي (2024 – 2026)

لكن رياح القارة العجوز لم تستمر بما تشتهيه قوارب اللاجئ اليمني؛ ومع مطلع عام 2024، ومع صعود تيارات اليمين… وضغوط السياسات التقييدية، أعلنت هولندا وإسبانيا وألمانيا تراجعها عن القبول التلقائي.

تذرعت الدوائر الأوروبية بوجود “بديل انتقال داخلي” (Internal Flight Alternative)، زاعمة أن الناجي كان يمكنه العيش في محافظة يمنية أخرى! وبلغ هذا التراجع ذروته في 2026 مع دخول “الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة” حيز التنفيذ، ليُعاد إغلاق باب المعاملة الاستثنائية ويُزج باللاجئ مجدداً في جحيم الفحص الفردي والمناطقي المعقد.

​✦ من حرب الجبهات إلى حرب “الكامبات” النفسية

واليوم، يعيد التاريخ إنتاج المأساة بنسخة أكثر قسوة؛ فمع تجدد الاشتباكات واستمرار الغارات في اليمن، يقف اللاجئ اليمني أمام مرآة الحقيقة المؤلمة: هل ستصحح أوروبا بوصلتها الإنسانية، أم ستتركه حبيساً لضغوطات نفسه، ومنكفئاً في زوايا الكامبات المظلمة التي تحولت إلى سجنٍ يلتهم روحه وتطلعاته؟

إنها المفارقة المؤلمة التي تكسر الروح؛ فبينما تحاصره انتهاكات المليشيا على الأرض وتقصف الطائرات مدينته من الجو، تخوض البيروقراطية الأوروبية والعزلة حرباً صامتة ضد وجوده.

حربٌ سلاحها الانتظار الطويل، ومرارة الرفض، ومتاهات المحاكم، ليدرك اللاجئ متأخراً أنّه كلما هرب من جحيم حربٍ تذبح الجسد في وطنه، استقبلته على عتبات الغربة حربٌ أخرى.. أشدّ صمتاً، وأقسى على آدميته.

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours