هولندا تعتمد خطة جديدة لمعالجة 54 ألف طلب لجوء متراكم قبل دخول الميثاق الأوروبي حيز التنفيذ

تصنيف الملفات إلى أربع فئات وأولوية كاملة للطلبات الجديدة.. والحكومة تسعى لإنهاء التراكم خلال ثلاث سنوات

في واحدة من أكبر عمليات إعادة تنظيم منظومة اللجوء في هولندا خلال السنوات الأخيرة، كشفت الحكومة الهولندية رسمياً عن خطة شاملة لمعالجة عشرات الآلاف من طلبات اللجوء المتراكمة لدى دائرة الهجرة والتجنيس (IND)، وذلك بالتزامن مع قرب دخول الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026.

وبحسب الوثائق الرسمية التي اطلعت عليها هولندا عربية، فإن عدد طلبات اللجوء التي لا تزال بانتظار قرار أولي لدى دائرة الهجرة بلغ نحو 54 ألف طلب حتى الأول من أبريل 2026، وهو ما دفع وزارة اللجوء والهجرة إلى إعداد خطة خاصة تهدف إلى تقليص فترات الانتظار ومنع ظهور تراكمات جديدة مستقبلاً.

وتأتي هذه الخطة بعد موافقة مجلس الشيوخ الهولندي على قانون تنفيذ الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، والذي يفرض إجراءات جديدة ومواعيد قانونية مختلفة لمعالجة طلبات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي.

سنوات من التراكم والأزمات

تعترف الحكومة الهولندية في وثائقها الرسمية بأن الأزمة الحالية ليست وليدة الأشهر أو السنوات الأخيرة فقط، بل هي نتيجة تراكمات استمرت لسنوات طويلة داخل منظومة اللجوء.

وتشير الوثائق إلى أن موجة اللجوء الكبيرة التي شهدتها أوروبا منذ عام 2015، إلى جانب الارتفاع المستمر في أعداد الطلبات خلال السنوات اللاحقة، ساهمت في زيادة الضغط على دائرة الهجرة.

كما توضح الوثائق أن قرارات سابقة بتقليص أعداد الموظفين المختصين بملفات اللجوء، إضافة إلى محدودية القدرة التشغيلية مقارنة بحجم الطلبات الواردة، أدت إلى اتساع الفجوة بين عدد الملفات الجديدة وعدد الملفات التي يمكن البت فيها سنوياً.

وترى الحكومة أن استمرار الوضع الحالي دون إجراءات استثنائية سيؤدي إلى تفاقم الأزمة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع دخول الميثاق الأوروبي الجديد حيز التنفيذ.

لماذا يعد الميثاق الأوروبي مهماً للحكومة الهولندية؟

تؤكد الوثائق أن نجاح الميثاق الأوروبي الجديد لا يقتصر على هولندا فقط، بل يرتبط بقدرة جميع دول الاتحاد الأوروبي على تطبيق القواعد الجديدة بشكل متقارب.

وترى الحكومة الهولندية أن الميثاق الجديد سيساعد على تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، والحد من الهجرة الثانوية بين الدول الأوروبية، وتحسين التعاون بين الدول الأعضاء في إدارة ملفات اللجوء والهجرة.

ولهذا السبب تعتبر الحكومة أن الالتزام بالمواعيد القانونية الجديدة ليس مجرد التزام إداري، بل جزء من نجاح المشروع الأوروبي الجديد في مجال اللجوء.

أولوية كاملة للطلبات الجديدة

من أبرز ما جاء في الخطة أن دائرة الهجرة ستمنح أولوية كاملة للطلبات الجديدة التي ستقدم بعد 12 يونيو 2026.

وتقول الحكومة إن نجاح الميثاق الأوروبي يعتمد على قدرة هولندا على الالتزام بالمواعيد القانونية الجديدة، ولذلك سيتم تخصيص جزء كبير من الموارد البشرية لمعالجة الطلبات الجديدة ضمن المدد المحددة قانوناً.

وترى وزارة اللجوء والهجرة أن عدم اتخاذ هذه الخطوة سيؤدي إلى ظهور تراكمات جديدة داخل النظام الجديد خلال فترة قصيرة، وهو ما قد يقوض أهداف الميثاق الأوروبي.

ثلاثة أعوام لمعالجة الملفات القديمة

في الوقت نفسه، طلب وزير اللجوء والهجرة من دائرة الهجرة إعداد خطة مستقلة لمعالجة الملفات المقدمة قبل 12 يونيو 2026.

وبحسب الخطة، تسعى دائرة الهجرة إلى إصدار قرار أولي في جميع الملفات القديمة خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ تطبيق الميثاق الأوروبي.

لكن الحكومة تؤكد أن هذه المدة تتعلق فقط بالقرار الإداري الأول الصادر عن دائرة الهجرة، ولا تشمل مراحل الطعون أو الاستئناف أمام المحاكم.

كما تشير الوثائق إلى أن نجاح هذا الهدف يعتمد على عوامل متعددة، من بينها حجم تدفقات اللجوء الجديدة والظروف السياسية والأمنية الدولية خلال السنوات القادمة.

مرحلة تمهيدية جديدة قبل المقابلات

أحد أهم عناصر الخطة يتمثل في إنشاء مرحلة تمهيدية جديدة تسبق دراسة الملف بشكل كامل.

وخلال هذه المرحلة سيتم استدعاء طالب اللجوء إلى موقع مخصص ليوم واحد يتم خلاله تنفيذ مجموعة من الإجراءات التحضيرية، تشمل:

  • تسليم الوثائق والأدلة.
  • إجراء فحص اللغة عند الحاجة.
  • كتابة ملخص خطي لأسباب اللجوء.
  • استكمال المعلومات الناقصة.
  • تقديم معلومات حول إجراءات اللجوء.
  • تقديم معلومات تتعلق بإجراءات العودة في الحالات المناسبة.

وترى دائرة الهجرة أن هذه المرحلة ستساعد على تجهيز الملفات بشكل أفضل، وتسمح للموظفين بالتركيز على جوهر القضية أثناء المقابلات واتخاذ القرار.

قاعدة جديدة لمن يسحب طلبه

ومن النقاط اللافتة في الخطة أن الحكومة تسعى لمنع انتقال الملفات القديمة إلى النظام الجديد من خلال سحب الطلب وإعادة تقديمه.

وبموجب الآلية الجديدة، فإن أي شخص يسحب طلب اللجوء المقدم قبل 12 يونيو 2026 ثم يعيد تقديم طلب جديد بعد هذا التاريخ، سيظل ضمن فئة الملفات القديمة المتراكمة ولن يعامل كصاحب طلب جديد.

وتهدف هذه الخطوة إلى منع الضغط الإضافي على النظام الجديد بعد دخوله حيز التنفيذ.

كيف ستصنف دائرة الهجرة الملفات؟

اعتمدت دائرة الهجرة نظاماً جديداً لتقسيم الملفات المتراكمة إلى أربع فئات رئيسية، استناداً إلى السياسة القطرية الخاصة بكل دولة، ونسب القبول والرفض السابقة، ومدى تعقيد الملف والحاجة إلى تقييم فردي.

الفئة الأولى (A) – نحو 39% من الملفات

تشمل طلبات أشخاص من دول ترى دائرة الهجرة أن قبول طلباتهم ليس مرجحاً بدرجة كبيرة وفق السياسة القطرية المعمول بها.

ووردت في الوثائق أمثلة على هذه الفئة، من بينها سوريا واليمن.

وتخطط دائرة الهجرة لاستخدام إجراءات أكثر تركيزاً في هذه الملفات مع الاستفادة من المعلومات المتوفرة مسبقاً واستخدام نماذج موحدة لتسريع العمل.

الفئة الثانية (B) – نحو 17% من الملفات

تشمل طلبات أشخاص من دول أو فئات ترى دائرة الهجرة أن قبول طلباتهم مرجح وفق السياسة القطرية الحالية.

وذكرت الوثيقة ميانمار والنساء الأفغانيات كأمثلة على هذه الفئة.

وترى دائرة الهجرة أن بعض هذه الملفات يمكن التعامل معها بسرعة أكبر إذا أمكن إثبات الانتماء إلى الفئة المشمولة بالحماية من خلال الوثائق أو فحوص اللغة أو المعلومات المتوفرة.

الفئة الثالثة (C) – نحو 8% من الملفات

تشمل ملفات تحتاج إلى تقييم فردي، إلا أن التجربة العملية تشير إلى أن هذه التقييمات تنتهي بالرفض في كثير من الحالات.

وورد العراق مثالاً على هذه الفئة.

الفئة الرابعة (D) – نحو 28% من الملفات

تشمل ملفات لا يمكن اعتبارها قوية أو ضعيفة بشكل واضح، حيث تعتمد النتيجة بصورة كبيرة على الظروف الفردية لكل طالب لجوء.

وذكرت الوثيقة الصومال ونيجيريا كأمثلة على هذه الفئة.

كيف سيتم تنفيذ الخطة عملياً؟

لن تبدأ دائرة الهجرة بمعالجة جميع الملفات المتراكمة دفعة واحدة، بل ستعمل وفق دورات تخطيطية تمتد لنحو ثلاثة أشهر لكل مجموعة من الملفات والجنسيات.

وتهدف هذه الآلية إلى تحقيق توازن بين الملفات المتوقع قبولها والملفات المتوقع رفضها، بما يحد من الضغوط المفاجئة على مراكز الإيواء والمحاكم وبقية المؤسسات الحكومية.

وتشير الوثائق إلى أن دائرة الهجرة تعتزم في المرحلة الأولى التركيز بشكل أكبر على الفئتين (A) و(C)، قبل التوسع تدريجياً نحو بقية الفئات بعد تشغيل المرحلة التمهيدية بشكل كامل.

كما تؤكد الخطة أن بعض الفئات ستبقى خارج هذا التصنيف العام وستواصل الحصول على أولوية خاصة، ومن بينها:

  • القاصرون غير المصحوبين بذويهم (AMV).
  • القادمون من الدول المصنفة آمنة.
  • الأشخاص المسببون للإزعاج أو المشاكل داخل منظومة اللجوء.
  • بعض الملفات الخاصة والطلبات المتكررة.

كما أشار الوزير إلى أن البدء بالفئة التي تندرج فيها الطلبات السورية يأتي أيضاً في إطار تنفيذ تعهد سابق قدمه للبرلمان.

هل تعني هذه الفئات قبول أو رفض جميع الملفات؟

وتؤكد هولندا عربية أن هذه التصنيفات لا تعني قبول أو رفض جميع الطلبات التابعة لأي فئة بشكل تلقائي.

فالوثائق الرسمية لا تتضمن إعلاناً عن تغيير السياسة الخاصة باليمن أو سوريا أو أي دولة أخرى، كما لا تنص على رفض جماعي أو قبول جماعي لأي جنسية.

وتشير الخطة إلى أن السياسة القطرية ستظل المرجع الأساسي في دراسة الملفات، وأن التقييم الفردي سيبقى جزءاً من عملية اتخاذ القرار النهائي.

المحاكم تحت ضغط متوقع

من النقاط المهمة التي وردت في الوثائق أن الحكومة تتوقع تأثيرات مباشرة للخطة على السلطة القضائية.

فمع تسريع البت في آلاف الملفات خلال فترة زمنية أقصر، تتوقع وزارة اللجوء والهجرة ارتفاع عدد الطعون والاستئنافات أمام المحاكم الهولندية، وهو ما قد يؤدي إلى ضغط إضافي على القضاء خلال السنوات المقبلة.

كما تشير دائرة الهجرة إلى أن بعض الإجراءات الجديدة القائمة على التبسيط والتسريع قد تثير نقاشات قانونية أمام المحاكم بشأن مدى كفاية دراسة بعض الملفات بصورة فردية، الأمر الذي يجعل السلطة القضائية أحد أهم الأطراف المتأثرة بتطبيق الخطة.

انتقادات وتحفظات داخلية

ورغم أن الحكومة تقدم الخطة باعتبارها حلاً لأزمة الملفات المتراكمة، فإن الوثائق الرسمية تتضمن في الوقت نفسه عدداً من التحذيرات والمخاطر المحتملة.

فدائرة الهجرة تعترف صراحة بأن النتائج النهائية للخطة يصعب التنبؤ بها بدقة، وأن تحقيق هدف إنهاء الملفات المتراكمة خلال ثلاث سنوات يعتمد على استمرار الظروف الحالية وعدم حدوث تغيرات كبيرة في أعداد طالبي اللجوء أو الأوضاع الدولية.

كما تحذر الوثائق من أن ارتفاع أعداد القادمين مستقبلاً قد يجبر دائرة الهجرة على إعادة توزيع الموارد البشرية المخصصة للخطة، الأمر الذي قد ينعكس على سرعة معالجة الملفات القديمة.

وتتوقع الوثائق كذلك أن تؤدي الخطة إلى آثار مباشرة على بقية مؤسسات منظومة اللجوء، بما في ذلك ارتفاع أعداد الطعون القضائية وطلبات لم الشمل وملفات العودة، وهو ما قد يفرض ضغوطاً إضافية على المحاكم ومراكز الإيواء والجهات الحكومية الأخرى.

كما تتضمن الوثائق اعترافاً ضمنياً بأن أزمة التراكم الحالية هي نتيجة سنوات من عدم التوازن بين أعداد الطلبات والقدرة التشغيلية لدائرة الهجرة، إضافة إلى مشكلات مرتبطة بالتمويل والتخطيط والموارد البشرية.

بدء التنفيذ الكامل في أكتوبر

رغم دخول الميثاق الأوروبي حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026، فإن دائرة الهجرة تتوقع أن يبدأ التطبيق الكامل للخطة الجديدة اعتباراً من الأول من أكتوبر 2026.

وخلال الأشهر الفاصلة ستجري التحضيرات التنظيمية واللوجستية اللازمة، إلى جانب التنسيق مع مراكز الإيواء والمحاكم والمحامين ودائرة العودة والمغادرة.

متابعة شهرية للنتائج

أعلنت الحكومة أن دائرة الهجرة ستنشر شهرياً بيانات توضح:

  • عدد الملفات التي تمت معالجتها.
  • حجم الملفات المتبقية.
  • مدى الالتزام بالمواعيد القانونية الجديدة.
  • نسب القبول والرفض.
  • تطورات تنفيذ الخطة.

كما سيحصل البرلمان الهولندي على تقارير دورية لمراقبة سير العمل وتقييم النتائج.

ماذا لا تتضمن الخطة؟

ومن المهم التأكيد أن الوثائق الرسمية لا تتناول الإقامة الدائمة، ولا تتحدث عن سحب الإقامات الحالية، ولا تتضمن أي قرارات تتعلق بإعادة تقييم تصاريح اللجوء الممنوحة سابقاً.

كما أن الخطة لا تستهدف الأشخاص الذين حصلوا بالفعل على إقامة لجوء، بل تركز حصراً على الطلبات التي لم يصدر فيها قرار حتى تاريخ دخول الميثاق الأوروبي الجديد.

قراءة هولندا عربية

ترى هولندا عربية أن أهمية هذه الخطة لا تكمن فقط في محاولة إنهاء أكثر من 54 ألف ملف عالق، بل في كونها أول محاولة شاملة لإعادة هيكلة طريقة معالجة طلبات اللجوء المتراكمة قبل تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد.

وفي حين تقدم الحكومة الخطة باعتبارها فرصة لإنهاء سنوات من التأخير والتراكم، فإن الوثائق نفسها تكشف أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن نجاح الخطة سيعتمد على التطبيق العملي أكثر من اعتماده على الأهداف المعلنة.

وبين طموح إنهاء التراكم خلال ثلاث سنوات، والتحذيرات الواردة من دائرة الهجرة بشأن المخاطر والتحديات القانونية والتنظيمية، ستبقى الأشهر والسنوات القادمة هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة هولندا على تنفيذ أكبر عملية إصلاح إداري في ملف اللجوء منذ سنوات.

وستواصل هولندا عربية متابعة جميع التطورات المتعلقة بالخطة الجديدة ونشر أي توضيحات أو قرارات إضافية تصدر عن وزارة اللجوء والهجرة أو دائرة الهجرة والتجنيس خلال الفترة المقبلة.

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours