بقلم: زكريا كرش
Zakarya karash
تعمل جماعة الحوثيين بلا كلل في غسل عقول الأجيال، مستهدفةً الأطفال والرجال على حد سواء في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وآخر الشواهد على ذلك يأتي من مديرية المخادر بمحافظة إب. جرى مؤخراً في المديرية عرض شعبي ضخم لخريجي ما يسمونها “دورات التعبئة العامة”، رفع خلالها صور لزعيم جماعة الحوثيين عبدالملك الحوثي وقيادات عسكرية أخرى، وشهد استعراضًا للسلاح الذي تدرب عليه المشاركون، والتي تعد جزءاً أساسياً من استراتيجية الجماعة لترسيخ نفوذها العقائدي والعسكري. وليست هذه المشاهد الأولى من نوعها؛ فهذه هي حلقة جديدة في سلسلة من العروض السابقة التي نظمها الحوثيون وحضرها علناً أشخاص كانوا بالأمس يمقتون الجماعة ويرفضون وجودها.
إن رؤية أشخاص كانوا بالأمس القريب مناهضين أو محايدين لتوجه الجماعة وهم اليوم يشاركون في هذه العروض العسكرية، أمرٌ يبعث على قلق عميق. يُظهر الفيديو بوضوح أشخاصًا معروفين كانوا بالأمس خصومًا أو محايدين، واليوم باتوا داعمين ومناصرين. هنا تكمن الإشكالية الحقيقية، فالأسباب خلف هذا التحول لا يمكن حصرها في خانة واحدة. فإن كانت الظروف القاهرة هي التي أجبرتهم على هذا الظهور – نتيجة ضغوط أمنية على أسرهم أو مصالحهم، أو ترهيب مباشر لكسر شوكتهم – فالأمر قد يُتفهم على أنه نوع من الإكراه السياسي. لكن الخطر الأكبر يتمثل في أن يكون هذا الظهور نابعًا عن قناعة حقيقية وتغير جذري في الولاء، وهو ما يعكس فعالية حملات غسل العقول أو الإغراء بالمناصب والمكاسب. وفي كلتا الحالتين، فإن ظهور هذه الوجوه يمنح الجماعة غطاءً اجتماعياً خطيراً يسهّل عليها تجنيد العامة ويفكك اللحمة المناهضة لها.
بعد مرور عقد من الزمن تقريباً على انقلاب 2014، لم يعد الخطر مقتصراً على التجنيد العسكري، بل أصبح يتعلق بـ “تفخيخ العقول” ابتداءً من مرحلة الطفولة، كما يتضح من استهداف الأطفال ضمن حملات التعبئة. إن رؤية هذه المظاهر بعد كل هذه السنوات تتجاوز كونها مجرد “شكليات”. ربما يكون قطاع من الشعب، من بينهم المعارضون والمحايدون، قد وصل إلى مرحلة تقبّل الأمر الواقع والقبول بالخصم كحاكم أمر واقع، خاصة مع طول غياب الحليف المنتظر.
وفي هذه المشاهد تتجسد دلالات ما يُعرف بـ متلازمة ستوكهولم (Stockholm Syndrome). وهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع مَن أساء إليه، أو يُظهر بعض علامات الولاء له. قد ينظر الضحية إلى المعتدي على أنه “منقذه” أو مصدر حياته، وهذا التحول النفسي العميق هو ما يفسر التغير المفاجئ في مواقف بعض الشخصيات المناهضة والمحايدة، مما يجعل عملية التحرير فيما بعد أقرب إلى الاستحالة.
إن ما يجري في مديريات مثل المخادر وفي إب ككل هو سباق مع الزمن على هوية ومستقبل اليمن. المشهد يستوجب تحركاً سريعاً ومؤثراً من الحكومة الشرعية اليمنية ومن الدول الرافضة للمشروع الحوثي؛ يجب مواجهة هذا التغلغل العقائدي والاجتماعي قبل أن تصبح هذه المناطق قلاعاً صلبة للجماعة، وتتحول القناعات المغسولة إلى إرث يصعب انتزاعه.


+ There are no comments
Add yours