لم أكن أرغب أساساً في كتابة هذا المقال، وكنت أفضل أن يبقى التركيز بالكامل على مطالب المعتصمين وقضاياهم الإنسانية والقانونية بعيداً عن أي سجالات جانبية. لكن حالة الاستياء الكبيرة بين الشباب بسبب محاولات الاستغلال والتسلق على هذا الحراك دفعتني للحديث بصراحة.
ما أثار غضب الكثير من الشباب ليس مجرد الظهور أو الزيارة بحد ذاتها، بل محاولة بعض الأشخاص تصوير الاعتصام كمشروع اعلامي تابع لهم، وكأنهم أوصياء على المعتصمين أو أصحاب قرار في قضايا تحكمها الدولة الهولندية والقانون والمؤسسات الرسمية فقط.
والأخطر أن ظاهرة “المشايخ” ومحاولات إعادة إنتاج نفس العقلية الطبقية بدأت تتفشى حتى داخل بيئة يفترض أنها قائمة على المساواة واحترام القانون. فالبعض لا يكتفي بحمل الألقاب الاجتماعية المتخلفة والتي عفى عليها الزمن ، بل يحاولون تقديم انفسهم كمرجعية فوق القانون، أو كأصحاب نفوذ قادرين على حل قضايا لا تُحل إلا عبر المؤسسات الرسمية.
وفي أحيان كثيرة يتم الترويج لفكرة أن العلاقات الشخصية أو “المشيخة” يمكن أن تتدخل في أمور ينظمها القانون بشكل واضح، سواء في ملفات الإقامة أو حتى في قضايا نصب مرتبطة بالعمل غير القانوني والعمل “بالأسود” او مطاعم وغيرها من الملفات التي لا تُدار بالمجاملات والوجاهات، بل بالقانون فقط.
ولهذا كان لابد من كتابة هذا المقال.
في هولندا لا توجد طبقة مشايخ، ولا سادة، ولا أشخاص فوق القانون. الجميع متساوون، والحقوق تُنتزع عبر المؤسسات والقانون والعمل الحقيقي، لا عبر النفوذ الاجتماعي أو الاستعراض أو ثقافة “أنا أعرف فلان”.
فجأة يظهر “شيخ” في زيارة لاعتصام يمني، يرافقه عدد من الأشخاص الذين لم يكن لهم أي دور فعلي منذ بداية هذا الحراك، ثم تُنشر البيانات والصور وكأن الاعتصام مشروع خاص بهم أو إنجاز صنعوه بأنفسهم.
لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع أن هذا الاعتصام لم تبنه كيانات ولا شخصيات ولا بيانات إعلامية. الذين صنعوا هذا الحراك هم شباب الكامبات، شباب متعبون يبحثون عن الإقامة والاستقرار والحياة الكريمة، وليسوا باحثين عن زعامة أو ألقاب أو استعراض.
هؤلاء الشباب هم من خططوا، ونظموا، وتواصلوا، وتحملوا الضغط النفسي والتنظيمي، وقضوا ساعات طويلة في المتابعة والتنسيق وإيصال صوت اليمنيين ومطالبهم المتعلقة بملفات الإقامة واللجوء.
ومن أراد أن يكون جزءاً من هذا الاعتصام فالباب مفتوح للجميع: تعال إلى الساحة، اهتف مع الشباب، واصبر على التعب والانتظار كما صبروا هم منذ البداية. أما أن يأتي البعض فقط لالتقاط الصور وكتابة البيانات وأخذ “اللقطة” بعد نجاح الحراك، فهذا أمر مخزٍ بحق أي عمل جماعي صادق.
السؤال البسيط هنا: قبل أن يبدأ الاعتصام ويأخذ صداه، أين كان كل هؤلاء؟
من حضر الاجتماعات الأولى؟
من تحمل مسؤولية التنظيم والمتابعة؟
من بقي يعمل بصمت بينما كان الجميع غائبين؟
الحقيقة واضحة: البدايات كانت بالكامل بجهود الشباب أنفسهم.
لكنها ظاهرة متخلفة مألوفة لدينا؛ فعندما ينجح أي عمل جماعي، يظهر من يحاول القفز إلى الواجهة والتسلق على جهود الآخرين عبر الصور والبيانات والخطابات الطويلة.
وللتوضيح، أنا لا أنتقد الأشخاص كأشخاص بحد ذاتهم، ولا أهاجم أحداً بسبب اسمه ، بل أنتقد الفعل نفسه والعقلية المرتبطة به، وثقافة “المشيخة” والوجاهة الاجتماعية التي ساهمت لعقود في تدمير اليمن وإضعاف المجتمع والدولة، ويحاول البعض اليوم نقلها معهم حتى إلى أوروبا.
هذه الثقافة جعلت البعض يعتقد أن بإمكانه التدخل في كل شيء، من حياة الناس الخاصة إلى القضايا القانونية والتنظيمية، وكأن القانون مجرد تفصيل يمكن تجاوزه بالعلاقات أو الألقاب.
أما بالنسبة للكيانات والجاليات والاتحادات المختلفة التي تحاول اليوم الظهور بجانب الاعتصام، فالحقيقة التي يعرفها الجميع أنها ،دون استثناء ،تعتمد غالباً على ثقافة “الشو” والظهور الإعلامي واللقطات والصور أكثر من العمل الحقيقي على الأرض.
طوال سنوات معاناة اليمنيين، لم يكن لهذه الكيانات حضور فعلي مؤثر في قضايا اللاجئين اليومية أو معاناة الكامبات، لكن ما إن أصبح الاعتصام حديث الناس حتى بدأ سباق الصور والبيانات ومحاولة تقديم أنفسهم كراعٍ أو ممثل أو متحدث باسم المعتصمين.
شباب الكامبات هم أصحاب هذا الحراك، وهم من يقودون اعتصامهم بأنفسهم، وليسوا بحاجة لمن يحاول القفز إلى الواجهة بعد نجاحه.
والأكثر مرارة أن بعض الشباب تواصلوا مع هذه الجهات وطلبوا منهم حذف المنشورات التي توحي ببطولات وهمية أو توحي وكأن الاعتصام تابع لهم، لكن رغم ذلك استمر الإصرار على استغلال الموقف وتقديم أنفسهم كواجهة للحراك.
من يريد دعم الشباب فليفعل ذلك بصفته إنساناً عادياً، أو لاجئاً يمنياً، أو مقيماً يحمل نفس الهمّ. أما تحويل الدعم إلى وسيلة للظهور الإعلامي أو لتلميع الأسماء والألقاب، فهذا يبتعد تماماً عن جوهر هذا الحراك.
كما أن أي محاولة لتقديم هذا الاعتصام وكأنه تحت رعاية كيانات أو جهات منظمة لا تعكس الواقع. هذا الحراك بُني أساساً بجهود اللاجئين أنفسهم، بوقتهم وطاقتهم وإمكاناتهم المحدودة، دون وصاية من أحد.
وفي النهاية، فإن اليمنيين الذين يقفون اليوم في الاعتصام لم يهربوا من طرف واحد فقط، بل هربوا من واقع كامل مليء بالفساد والحروب والاستغلال والانهيار.
ولهذا فإن هذا الاعتصام ليس منصة للاستعراض السياسي ولا ساحة لتلميع الأسماء والألقاب، بل تحرك إنساني وقانوني للمطالبة بحقوق اليمنيين المتعلقة بالإقامة والاستقرار والحياة الكريمة.
هذا الاعتصام ملك للشباب الذين بنوه بتعبهم، لا لمن حضر بعد نجاحه لالتقاط الصور وكتابة البيانات.
فالحقوق لا تُنتزع بالمشيخة، ولا تُحمى بالألقاب، بل بالعمل الحقيقي، والوعي، واحترام القانون، والإيمان بأن الناس متساوون مهما اختلفت أسماؤهم وصفاتهم.


+ There are no comments
Add yours