الزينبيات وسجون الحوثيين: حين تُسجن النساء مرتين

في مناطق سيطرة أنصار الله، لا تبدأ معاناة النساء عند لحظة الاعتقال، بل تمتد إلى ما هو أعمق: منظومة كاملة تحوّل الجسد والهوية والسمعة إلى أدوات للسيطرة. ما يُعرف بـ“الزينبيات” لم يعد مجرد جهاز أمني نسائي، بل أصبح جزءاً من بنية قمعية موثقة في تقارير أممية وحقوقية، تدير ملف النساء بمنطق الاشتباه الدائم لا الحق القانوني.

تقارير فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن وثّقت أن النساء يُحتجزن في كثير من الحالات بشكل تعسفي، دون أوامر قضائية أو ضمانات، مع تسجيل حالات إخفاء قسري وانتهاكات أثناء الاحتجاز. هذه الممارسات لا تحدث في فراغ، بل ضمن بيئة تغيب فيها الرقابة والمساءلة، ما يجعل السجن مساحة مفتوحة للتجاوز.

داخل هذه السجون، تتخذ الانتهاكات طابعاً أكثر قسوة. منظمة العفو الدولية أشارت إلى تعرض محتجزات لسوء المعاملة والتهديد، بما في ذلك الضغط النفسي، الابتزاز، وإجبار بعضهن على توقيع اعترافات. أما هيومن رايتس ووتش فقد أكدت أن هذه الانتهاكات ترتبط غالباً بتهم فضفاضة ذات طابع “أخلاقي”، تُستخدم كأداة لإخضاع النساء وكسرهن اجتماعياً، وليس فقط معاقبتهن قانونياً.

قضية انتصار الحمادي تكشف هذا الواقع بوضوح. اعتقالها لم يكن مجرد إجراء أمني، بل مسار كامل من الانتهاكات: من التوقيف إلى التحقيق، وصولاً إلى محاكمة شابتها خروقات جسيمة، وفق ما وثقته منظمات حقوقية. قضيتها لم تكن استثناء، بل نموذجاً مكثفاً لما تواجهه نساء أخريات لا تصل أصواتهن إلى العلن.

في هذا السياق، تلعب “الزينبيات” دوراً محورياً، ليس فقط في الاعتقال، بل في فرض رقابة اجتماعية تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. وجود جهاز نسائي لا يعني حماية النساء، بل في كثير من الحالات توسيع دائرة السيطرة، بحيث تصبح المرأة مراقَبة من داخل المجتمع نفسه، لا من خارجه فقط.

النتيجة أن المرأة لا تُسجن مرة واحدة، بل مرتين: مرة خلف الجدران، ومرة داخل مجتمع يُعاد تشكيله بالخوف والتشهير. وفي ظل غياب قضاء مستقل وآليات مساءلة حقيقية، تتحول هذه الانتهاكات من وقائع فردية إلى نمط مستمر، يُعيد تعريف السلطة باعتبارها قدرة على التحكم، لا مسؤولية للحماية.


وفق ما توثقه التقارير الأممية والحقوقية، لم تعد السجون في مناطق الحوثيين مجرد أماكن احتجاز، بل أدوات لإعادة تشكيل المجتمع عبر النساء، حيث يُستخدم القمع القانوني والاجتماعي معاً لإسكات أي صوت خارج السيطرة.

Please follow and like us:

+ There are no comments

Add yours